تعثرت في خطاها قبل أن تصل إلى الحمّام. أغلقت الباب خلفها، مرتين، لتتأكد أنه مُحكَم الإغلاق. ارتعش الهاتف في يدها بالرعشة ذاتها التي سرت في سائر بدنها. جلست فوق مقعد المرحاض تلتقط أنفاسها، ودقات قلبها المتسارعة تخنق حلقها وتضغط على أذنَيها.
وقفت للحظة، وضعت أذنها على الباب… لا أحد موجود. سكون تام، إلا من صوت رأسها يعيد عليها الرسالة ذاتها: «ربع ساعة… لا تلومي إلا نفسك».
أغمضت عينيها. رفعت الهاتف أمامها، فتحت الكاميرا، فوجدت وجهها مُبلَّلًا بالدموع. لم تعرف بالضبط ما الذي تبكي عليه: خوفها، وحدتها، أم تلك اللحظة التي أدركت فيها أنها لن تجرؤ على قول «لا»؟
بعد دقائق معدودة، كانت تقف أمام الحوض. نظرت إلى وجهها في المرآة… حدّقت. غسلته، ثم كررت الغسل بعنفٍ متزايد، أقرب إلى الصفعات، حتى احمرّ جلدها…
كانت هذه المرة من المرات النادرة جدا التي تخطر على بالي فكرة الذهاب خلسة للصفحة الأخيرة كي تهدأ أنفاسي، لكنني قاومت ذلك ولم أفعل ولم أفسد على نفسي جمال تساعر الأحداث وتشابك المواقف واحتدام الصراع بين أبطال رواية "ظل" للكاتبة المصرية رحاب الخضري، أحدث رواياتها التي نشرت للناشئة ضمن مشروع روايات مصرية للجيب. يمكنني القول وبكل ثقة أنها من بين أجمل الروايات التي قرأتها وكانت موجهة للفتيان وأن الكاتبة بذكائها وبالحبكة المميزة القوية التي رسمتها لأبطال رواياتها قد استطاعت أن تضع حياة المراهقين وهواجسهم تحت المجهر من خلال البطلة الرئيسية جميلة والشخصيات الثانوية المحيطة بها وبدون حرق للأحداث سأذكر: - تبادل الأدوار: أن يصبح الأب ابنا والبنت أما، كان في جميلة حين أصبحت أما لعز، بعد مرضه بالخرف المبكر نزعت ثوب طفولتها واختارت أن تكون مع والدها، تقرأ له تقرأ عن مرضه، عن حالته، تحتمل نوبات غضبه، ضربه لها. الحضور الغائب للأب/ الأم جعل جميلة (قفة بلا درعين) تنزلق إلى هوة سحيقة، نقول عادة في أمثالنا الشعبية أن الشخص "قفة بلا درعين" حين يكون بلا سند، بلا عون، لا يملك من يشده. ومن هنا عرف عارف كيف يصطاد ضحيته يوقع بها في حبال الوهم. - الفضيحة والخوف من الفضيحة: اعتقد أن هذا ما تخافه أغلب الضحايا من مراهقينا، الخوف من الفضيحة بعد التحرش والاستغلال واستمرار الابتزاز، تصل ببعض الحالات حد الانتحار في الغرف المغلقة أو الهرب من البيت ككل أو السقوط في دوامة الإدمان. وأرى أن هذه أهم نقطة استفاضت الكاتبة في الحديث عنها. - تدخل أطراف خارجية في مشاكل داخلية: "البيوت أسرار" وبجرد أن يقع أحد أسراره في غير موطنه ستكون الكارثة، سينخر ويهدم بترو وثبات. حاولت ذكر أهم النقاط حسب قراءتي للرواية، ولم أرد أن أحرق أحداثها لأنها تستحق أن تقرأ ويركز في أحداثها حدثا حدثا حتى الوصول إلى النهاية التي رغم مأساويتها من جهة فقد كانت تشع بالأمل من جهة أخرى. أحببت الرواية جدا وقلم رحاب مميز، لغة جميلة وأسلوب ممتع، سأرشحها لجميع الآباء والأمهات ولأطفالهم، المراهقين خاصة.
تستهويني الكتابة التي تُحرّك الفكر وتفتح أبوابًا للتأمل، وتُلهمني أفكار مختلفة تتجاوز حدود الورق ورواية ظل فعلت ذلك بالفعل. تناولت الرواية صراع الآباء والأبناء وتبادل الأدوار بينهما، وما يحدث خلف الأبواب المغلقة.. وما تخلّفه الأبواب المفتوحة على مصراعيها، نجحت الكاتبه في أن تضعني منذ اللحظة الأولى وحتى الأخيرة في حالة ترقب وذهن حاضر يتابع المواقف والأحداث بلا ملل. كما تناولت الرواية قضايا التنمّر والصداقة والخوف، مقدّمة إياها من زوايا تكشف هشاشة العلاقات الإنسانية وتعقيدها، وكلما تسارعت الأحداث تسارعت معها الأعين بالقراءة. كلما قرأت لرحاب الخضري، ازددت يقينًا بأن قلمها يخفي المزيد من الجوانب التي لم تُكتشف بعد. لكن ما يجمع بين الألوان الأدبية المختلفة التي برعت فيها هو حفاظها على حبكة متينة ولغة راقية. الرواية مُصنّفة لليافعين، لكنها في حقيقتها صالحة لكل الأعمار.