يركز الدكتور دونالد بيري خلال كتابه المكون من أربعة فصول على نقطتين اثنتين: معالجة إشكاليات الحداثة وبحث سبل لاستيعاب التراث الديني لها في سياق نزعة دينية تقليدية بين الأديان كافة تواجه الحداثة كإحدى التحديات، وإبراز طريقة للتعامل مع الحداثة من خلال عرض حياة وفكر أحد أهم الباحثين الإسلاميين في القرن العشرين المفكر محمد فضل الرحمن.
فضل الرحمن مفكر باكستاني معروف في الأوساط النخبوية الغير عربية بشكل خاص، ويعد شبه مجهول في الساحة العربية برغم المناصب التي تسلمها في بلده، ومعاركه المعرفية التي خاضها، بل إن بعض الدراسات تشير بأن فكر فضل الرحمن له أثر كبير على الفكر الإسلامي المعاصر، على الأقل في غير البلاد الإسلامية.
رغم أن عنوان الكتاب هو (الإسلام والحداثة) إلا أن الكاتب لم يقتصر على هذاالجانب فقط، بل طرح مواضيع أعم مثل الدين أو الأديان بشكل عام في مقابل الأسئلة التي تطرحها الحداثة، والقضايا المعاصرة التي تثيرها، وتوسل بأطروحات فضل الرحمن كإجابات لتلك الأسئلة، أو المعضلات، ودونالد بيري لاهوتي مسيحي (وله علاقة بالعمل التبشيري) لذلك هدفه من الكتاب -كما صرح في بداية البحث- هو معرفة نموذج ديني معاصر أعتبر الحداثة تحدياً وليست شراً أو مشكلة، وهذا ما وجده في فضل الرحمن . من أجمل فصول الكتاب هو الفصل الذي عقده المؤلف للمقارنة بين نتاج فكري إسلامي تقليدي ممثلاً في أبي الأعلى المودودي، ومشروع فضل الرحمان كمشروع حداثي مغاير للطرح الديني السائد، ونرى البون الشاسع بين الاثنين في كثيرِ من القضايا. ربما دعوى أن فضل الرحمن له تأثير كبير على الفكر الإسلامي لها قدر كبير من الصحة، فالكثير من الآراء التي طرحها في ذلك الوقت والتي كانت جديدة على الساحة الفكرية على ما يبدو في حينها مثل إعادة تفسيره للوحي ونظرته للقرآن، ومحاولة تأسيسه ما يسمى بالفقه القرآني، آراءه في الحديث والقضايا الاقتصادية كالربا وقضايا المرأة والشورى والأمة إلخ، وهي قضايا ستشغل الفكر الإسلامي فيما بعد وستتعرض لقَبول ورفض وتعديل من مختلف التيارات الفكرية .
الكتاب يعد مدخلاً أكثر من جيد لفكر فضل الرحمن، هذا الفكر الذي أعتقد بأن الكثير سيعترضون على العديد من أطروحاته، خصوصاً بأنها أطروحات براجماتية غالباً، لكن معرفة أطروحات مختلفة عن السائد، ومحاولة نقدها لاشك بأنها مهمة ضرورية في هذا الوقت، بالنظر إلى أن مشروع فضل الرحمن (الذي تلقى تعليماً تقليدياً في بلده) كان إجابات لعديد من أسئلة الحداثة التي أثارت لديه الشبه عندما درس خارج بلده - كما يقول- وهي أسئلة -أظن- بأنها لازالت ملحة .