Ahmed's Reviews > موبي ديك

موبي ديك by Herman Melville
Rate this book
Clear rating

by
11260920
's review

it was amazing

في مرّة سألوا هيتشكوك عن الفرق بين المفاجأة والإثارة؟ فرد عليهم قائلًا: إن المفاجأة هي اتنين قاعدين في مكان وتقع عليهم قنبلة، والإثارة هي إن نفس الاتنين قاعدين في نفس المكان وتحتهم قنبلة زمنية وبتعدّ قدامك. الفكرة كلها إن المتعة بتكون موجودة حتى في الحاجات اللي انت متوقعها أو عندك خلفية عنها، يعني أكيد انت عارف إن( موبي ديك )ودا حوت، وبيطارده (آخاب أو إيهاب) واللي الفوا بينهم مصطلح مشهور(إيهاب وحوته)، لكن رغم معرفتك بكل دا إلا إنك بترتبط بالرواية ارتباط غريب على مدار كل صفحة منها.

كموسوعية عمل مثل عوليس، واستهلالات وتداخل مواضيع كاتب مثل إيكو، وسرد لا ينافسه فيه حتى ماركيز وساراماجو، بكل ذلك قدّم لنا ملفل روايته التي تستحق كل ما قيل في حقها من مديح، بل إنها حتى تستحق ما قاله عنها برنارد شو: منذ عرف الإنسان كيف يكتب لم يوجد قط كتاب مثل هذا ،وعقل الانسان أضعف من أن ينتج كتابًا مثله.

نحن أمام عمل رائد بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شامل من حيث موضوعاته،متفرد بأسبقيته، صعب أن يُصنف التصنيفات المتداولة أو لتقل متشعب التصنيف، فهو واقعي كل الواقعية، رمزي كما يجب للرمزية أن تكون، حتى أنك قد تعتبره أدب رحلات، نحن أمام كتاب يتكلم عن صيد الحيتان، لا بل هو كتاب يتحدث عن الإنسان، بل يتحدث عن الدين والرغبة العمياء في الانتقام، إنها رواية تتحدث عن كل ذلك ، رواية خلطت وقدمت لنا عالم فريد متكامل يضمن لك الاندماج فيه بكل خلاياك.

استهل ملفل روايته بحديث عن الماء وسحره ويبدو فيه عشق خالص برع في توصيفه فنجده يقول فيما يقول: لمَ يكاد كل غلام جزل سليم ذو روح جزلة سليمه يتوق -بين الحين والحين-توقان المجنون للذهاب إلى البحر؟ لم كان الفرس القدماء يعدون البحر مقدسًا؟ لم جعل الإغريق للبحر ربًا عدوه أخًا لرب الأرباب نفسه؟ حقا إن لذلك كله مغزى، وأعمق من هذا مغزى قصة الفتى (نرجس) فإنه حين عجز على أن يمسك خياله الوديع المتمثل أمامه في النبع، وعذّبه شعوره بعجزه، ألقى نفسه في الماء وآثر الغرق،ونحن أنفسنا نرى ذلك الخيال في كل نهر وكل بحر،ذلك هو خيال شبح الحياة، الخيال الروّاغ الذي لا تستطيع أن تضم عليه جميع اليد، وذلك هو السر في كل ما هنالك.

ثم انطلق يصول ويجول عبر جوانب مختلفة من الحياة، تارة يسرد لنا مواقف بسيطة ذات دلالات عميقة وتارة يحدثنا عن شعوب مختلفة وطريقة معيشتهم وتارة يصوّر لنا الصداقة كما يجب أن تكون ولا سيما بين اسماعيل (الراوي) وبين كويكوج (الحوّات) والذي كان بينهما من التناقضات ما تحكم بعداوه وكره بيّن، فهذا مسيحي متدين وذاك وثني يعبد صنم، الأول منهما (متحضر) والآخر بدائي متوحش، فتآلفت القلوب بينهما وتحابت بل وفهم كل منهما الآخر كما يجب أن يكون الفهم، ومن هذا الفهم المنولوج الذي دار بين اسماعيل ونفسه لمس في صديقه رغبته في مشاركته صلاته:

(كيف اتحد مع هذا الوثني البدائي وأعبد قطعة خشب؟ ماهي العبادة؟ أتظن يا اسماعيل أن إلهك العظيم رب السموات والأرض-خالق الوثنيين وغيرهم- يمكن أن يغار من قطعة تافهة من الخشب الأسود ؟ مستحيل، لكن ما العبادة ؟ الامتثال لإرادة الله، تلك هي العبادة ، وما هي إرادة الله؟ أن أعمل لإخوتي بني الإنسان ما أحب أن يعمله بنو الإنسان من أجلي، تلك هي إرادة الله، وكويكوج أخ لي في الإنسانية فما الذي أرغب أن يعمله من أجلي؟ أن يؤدي العبادة معي على حسب المذهب المشيخي ، إذا فعليّ أن أتحد معه، إذن عابد صنم.)

أي معنى ومقصد عظيم يتحدث عنه الكاتب وما أعظم عرضه وتقديمه لهذا المقصد النبيل، ذلك المقصد الذي نوّه إليه وأشار أكثر من مرّه فيبدو من العمل دراية ملفل الواسعة بعديد الطقوس والمعتقدات كما أفاض على ضرورة احترام مختلف المعتقدات:

(ذلك أنّي أكنّ أبلغ احترام نحو الفروض الدينية التي يمارسها أي إمرئ كان، مهما تكن مضحكة ، ولا أجد في قلبي نزوعًا إلى التهوين من شأن عُباد أي دين حتى لو كان أولئك العُباد قرية من النمل يعبد أهلها الكمأة، أو لو كانوا بعض المخلوقات التي تعيش في نواح من أرضنا وتنحى على نحو من العبودية غير معهود إلا على هذا الكوكب)

المهم إن الرواية عظيمة بحق، عظيمة بغزارة معلوماتها وحيوية أحداثها ورسم شخصياتها ولاسيما القبطان(آخاب) الذي دمّر حوت أبيض سفينته وتسبب في فقدانه لرِجله ،لينذر ذلك القبطان حياته ليقتص منه والقضاء عليه، فرسمه أمل حياته المفقود ورغبته التي ملأت عليه نفسه حد الجنون، برع ملفل في رسم شخصيته حتى لتراها روحًا تائهة تسير أمامك، بدأ ظهور آخاب الحقيقي في الرواية بعد قرابة ربعها تقريبا، ليكون ربع الرواية الأول ديباجة فخمة ومقدمة فذّة تنجح باقتدار في ربطك برباط سحري لا ينحل مع الرواية.

(كل الأشياء المرئية أيها الرجل ليست إلا أقنعة من الورق المقوّى ، ولكن في كل حادث ،في العمل الحي، في الفعل اليقيني-يقوم شئ مجهول إلا أنه متعقل، فيخفي طابع ملاحمه وراء ذلك القناع غير المتعقل، فإذا كان للمرء أن يضرب فليضرب من خلال القناع، كيف يمكن للسجين أن ينفذ إلى الخارج إلا إذا اخترق الجدار؟
وآخاب كان السجين والحوت كان الجدار، فظل يبحث عنه ليتحرر من قيده وهو يعلم أنه قد يُنهي حياته وهو يحاول.

كانت رحلة صيد الحيتان هي الحياة بالنسبة لملفل وبرع أيّما براعة في تصويرها فهو يراها زحمة مختلطة وفي هذه الزحمة المختلطة الغريبة التي نسميها الحياة أوقات ومناسبات عجيبة يرى المرء فيها الكون كله نكتة عملية ضخمة ،وإن كان لا يستبين فيها براعة التندر إلا استبانة باهتة ولعله أن يكون على مثل هذا اليقين بأنه هو نفسه محور النادرة،ومع ذلك فإنه لا يرى فيها ما يثبط همته، ولا يجد ما فيها جديرًا بالتنازع، فهو يزدرد كل الأحداث والنحل والمعتقدات والحجج وكل الأمور العسيرة مرئية كانت أو خفية لا يهمه أن تكون من الأساس ، كأنه نعامة ذات قدرة على الهضم فهي تزدرد الرصاص أو شظايا الصوان، أما العقبات والهموم الصغيرة وما قد يحل به من مصائب مفاجئة تعرض حياته للخطر، أما هذه جميعا وأما الموت نفسه فإنه لا يرى فيها إلا دعابات ماكرة في الجنب يمنحه إياها الساخر الأعظم المحجوب عن الأبصار.

تفاصيل الرواية كانت من العظمة بمكان ، تفاصيل مملة ولكنها لا تدفع أبدًا إلى الملل فالكاتب نجح باقتدار في تحويل الملل إلى قن ممتع، وكان ناجح في التركيز على جميع النواحي الحياة ولا سيما حياة الحيتان، فقد تحدث عن كل ما يخصها، عن طريقة صيدها والشعوب التي احترفت تلك المهنة، وخصائصها،تحدث عن كل جزء بالتفصيل، أحجامها وأنواعها وما يثيرها، تحدث عن لحومها وكيف تُؤكل ،تحدث عن ألوانها، بل إنه حتى خصص فصل كامل للتحدث عن اللون الأبيض وفضائله لأن موبي ديك حوت أبيض.

ولا ننسى رسمه للشخصيات والجانب النفسي لها، فقد كان أعظم ما في الرواية على الاطلاق،كل شخصية مهما صغر دورها قُدمت لنا بكامل جوانبها، تعايشها وتعيش معها من فرط دقة رسمها ، ولا سيما شخصية القبطان(آخاب) ، والذي بحق واحدة من أعظم الشخصيات الروائية التي قرأتها في حياتي، شخصية ذات وجود حقيقي (صغير على صفحات الرواية) ولكنه في الوقت ذاته فلك الرواية الذي تدور حوله فأضفت على الرواية بريق لا يُنافس ، شخصية تعشقها وتكرهها ،تحترمها وتحتقرها لدرجة أنك تنتظر ظهوره في الرواية وماذا سيفعل وماذا سيقول؟ وقد عبر الكاتب عن عظمته ببعض من المنولوجات التي تنافس مونولوجات شكسبير نفسه، فمثلا كان يخاطب رأس حوت معلق على جانب السفينة :

تحدث أيها الجبار وخبرنا عن السرّ فيك، أنت بين القامسين أبعدهم قمسا،ذلك الرأس الذي يتلألأ الآن فوق الشمس العلوية قد جاب قرارة الكون حيث أسماء غفل وأساطير مجهولة يعلوها الصدأ،حيث آمال حبيسة ومراسي كثيرة يدركها البلى، حيث هذه الأرض قد تطرمت في وقفتها المهلكة بعظام الملايين الذين غرقوا،هنالك في دبيا الماء الرهيبة هنالك كان موطنك خير موطن تألفه ، لقد كنت حيث لا يبلغ صوت جرس أو جسم غاطس، كنت تنام إلى جانب كثير من البحارة بينما الأمهات مسهدات يمنحن حياتهن رجاء أن يلحدن جثثهم، ولقد رأيت الحبيبين يقفان من السفينة المحترقة ،غرقا والقلب على القلب بين الأمواج المصطفقة، صدقا العهد تبدت السماء لهما كاذبة ..رأيت الضابط القتيل يقذف به القرصان في منتصف الليل على ظهر السفينة،ساعات قضاها وهو ينحدر في ظلمة الفلك الناهم وما يزال قتلته يبحرون سالمين، آه أيها الرأس لقد رأيت ما يكفي ليشق الكوكب ويجعل من ابراهيم الحنيف حانقا ولم تنبس بحرف واحد.

ولكن كل الحوارات والمونولوجات لا تصف خطاب آخاب الأخير بعد ان رأى موبي ديك يدمر سفينته الأثيرة فوقف يخاطب نفسه قبل أي شئ آخر:

يا سفينة مهيبة كالموت،هل تفنين إذن ولابد،دون أن أكون فيك؟ هل أُحرم من آخر كبرياء حمقاء ينالها أدنى القباطنة الذين تتحطم سفنهم؟ آه يا موتًا موحشًا يختم حياة موحشة ! أحس أن ذروة عظمتي تحل في ذروة حزني، هو ، هو ! من أقصى حدودك، انصبي إلى أيتها الموجات الجريئة، موجات حياتي الغابرة جميعا وطاولي موجة موتي، نحوك أتدحرج أيها الموت المبيد الذي لا يحرز غلبة، إلى النهاية أصاولك مصارعًا . من جوف الجحيم أسدد إليك الطعن ،من أجل البغض أبصق عليك آخر أنفاسي، كل التوابيت وعربات الجنائز تغوص في بركة واحدة. وبما أني لن أُحمل على تابوت أو عربة فلأنسحب مزقا وأنا ما أزال أطاردك أيها الحوت اللعين.

ومات آخاب بيد شغفه المكروه وخوفه الداكن وضميره الذي إسوّد من كثرة الحقد قأعماه، رسم الحوت أمل حياته المعقود فقتله، عاش لأجل انتقام أعمى ورأى أن لا مفر من الحوت إلا قتله،رآه سيد الكون الذي لابد من غلبته فكان له الهلاك.

موبي ديك لم يكن مجرد حوت أبيض، بل هو الوهم في حياة كل منا، فكل منا تعلق بشئ وأراد امتلاكه سواء كان قلب حبيب مستحيل وصاله، أو مال كثيف لن يغنيه أو مجد زائف، وفي النهاية آمالنا هي قبورنا الملحدة إن لم نتحرر منها ستقتلنا شر قتلة.

الرواية عظيمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى وتستحقه من تبجيل، والترجمة فائقة العذوبة، ترجمة رصينة جزلة لا ابتذال فيها.
95 likes · flag

Sign into Goodreads to see if any of your friends have read موبي ديك.
Sign In »

Reading Progress

January 8, 2016 – Started Reading
January 10, 2016 – Finished Reading
January 28, 2016 – Shelved

Comments Showing 1-5 of 5 (5 new)

dateDown arrow    newest »

hope mohammed مثييير اذن


Ahmed للغاية


message 3: by Ahmet (new) - added it

Ahmet Koçkaroğlu وأنا كنت أظنها مجرد قصة رجل يطارد حوتا


Ahmed هي أشمل من كدا بمراحل


عبدالإله العمار ماتحس أنك حرقت شوي..؟ هههههه


back to top