Kindle Notes & Highlights
Read between
November 9 - November 20, 2022
كلّ ما في الأمر أننا سنضعه في حقل الرّماية، ونضع صفيحتين فارغتين مثبتتين بإحكام جوار أذنيه، وعلينا أن نحرص على إصابتهما لا إصابة رأسه. - وما الحكمة في ذلك؟ - أنتم لا تستطيعون أن تتخيّلوا ذلك الصوت الذي يحدثه مرور الرصاص عبر صفيحة فارغة قرب أذن إنسان؛ ثم إننا جنود، وعلينا أن نتدرّب.
ورأى باب سيارة الإسعاف الخلفي يُفتح، وبدل أن يهبط من صندوقها ممرضٌ هبط جندي. وبدل أن يرى بشارة محفّة المرضى، رأى جنديا آخر يقفز من صندوق العربة، وفي أقل من لحظة اتضح كل شيء، امتدت أيدي الجنديين، وقبضتْ على شيء ما في الداخل، وسحبته بقوة، لم يكن ذلك الشيء محفّة، بل قدمَي ابنه زيدان. وهبط جندي آخر، حملا الشاب من يديه وقدميه، وألقياه أمام بشارة، وقبل أن يعودا إلى سيارة الإسعاف ثانية، قال أحد الجنديين: نحن نظن أن ابنك بحاجة لرعايتك الآن أكثر من زوجتك!
توجّه بشارة نحو زوجته ماري وأمه مرتا وأبيه إسكندر، كل واحد منهم كان يسند عذابه وضعفه بعذاب الآخر وضعفه. اليأس وحده، مثل وحش طليق، كان يجوب الممرات ويحطّم مصابيح النيون ويبعثر كل ما في طريقه من بشر وأشياء.
منذ أن ضعف بصر مرتا، بسبب السكري، لم يعد أحد يعرف، ما إذا كانت تدّعي ذلك الضعف الكبير في الإبصار، أما أنها كذلك فعلا؛ ففي أحيان كثيرة كانت تبدو أنها الأبصر بينهم، وفي أحيان أخرى تتعثر بباب مغلق تعتقده مشرعًا.
الشيء الوحيد الذي كان يجعلها فرحة بهذا الالتباس، هي أيام الأعياد، حيث كان زيدان الصغير يتسلل قبل الجميع للحصول على العيدية، يأخذ حصته، من القروش القليلة، قبل أخوته وأبناء الجيران، وحين يستيقظون، ويقفون في صف طويل أمامها، يقف، ثانية، في منتصف الطابور معهم. يتناول كل منهم نصيبه، وحين يصلها زيدان، تمتدّ إليه يدها كما امتدّت إليهم، وتناوله مبلغًا آخر، مدّعية أنها لا تستطيع الرؤية، فيتناول القروش ويمضي فرحًا، دون أن يلاحظ أن الابتسامة التي افترشت وجهها أكثر سعادة واتساعًا من ابتسامته.
انتبهت إلى أن هناك من يسير إلى جانبها، التفتتْ، فوجئتْ بوجود ابنها نديم! توقّفتْ، امتدت يدها لتلمسه، لم تستطع، ضج دمها في عروقها. هي تعرف أن لا شيء بقي منه غير الصورة الأخيرة له، ملقى على الرصيف، في قلبه رصاصة، وفي منتصف صدره رصاصة، وفي جبينه رصاصة، وفي يده كتاب.
في تلك اللحظات الموزّعة بين الموت والحياة، الغياب والحضور، انطلقت موسيقى الأغنية التي كانت تريد أن تغنيها، انطلقت بكل ما فيها من جراح وألم ورجاء وصبر، ولشدّ ما حيّرها أنها هي مَن كانت تغني الأغنية، وتعزفها: بيتي أنا بيتك ما إلي حدا من كتر ما ناديتك وسْع المدى نطرتك ع بابي وع كِل البواب كتبتلّك عذابي ع شمس الغياب
لا تهملني لا تنساني ما إلي غيرك ما تنساني بلدي صارت منفى طرقاتي غطّاها الشوك والأعشاب البريّة ابعتلي بها الليل من عندك حدا يطلّ عليِّ من أرض الخوف بنندهلك يا شمس المساكين من أيام المظلومين من لفتات الموعودين ......
الآن فأقول: حين كنتُ في العشرين أحببتُ بنتا اسمها مرتا، وفي الثلاثين أحببتُ بنتا اسمها مرتا، وفي الأربعين والخمسين والستين والسبعين أحببتُ بنتا اسمها مرتا، وفي الثمانين لم أزل أحبها.
فقال زيدان بصوته العميق نفسه: إذا استمر الحال على ما هو عليه هنا، فسنكون مضطرين في المستقبل، أن نفعل ما فعلناه اليوم: نُحْكِم إغلاق الأبواب والشبابيك، ونطفئ الأضواء، ويهمس الواحد منّا في أُذن الآخر، كما فعلت الآن معكم، كلما أردنا أن ننطق اسم فلسطين، أو أردنا الهتاف باسمها. هل وصلت الرسالة؟
لو كنا مثل هؤلاء الأطفال قبل ضياع فلسطين، لما احتلوا بلادنا.
في الثاني من حزيران، عام 1980، كان قد مرّ ثلاثة عشر عامًا، إلا ثلاثة أيام، على احتلال الضفة الغربية.
مبادرات السلام التي كانت تتساقط على رؤوس الناس، كانت تذكّره كل يوم، بأن ذلك البيت الذي هجّروه منه، في مدينة اللد، يغدو، مع كل مبادرة، أبعد فأبعد.
عام 1917، دخل الإنجليز فوجدونا منهكين بسبب الحكم العثماني،
حينما تتغير الحياة كلها حولك، لا يمكن إلا أن تغيّرك معها.
النهار نهارًا رغم تعدد أسماء أقسامه: الشروق، البكور، الغدوة، الضّحى، الهاجرة، الظهيرة، الرَّواح، العصر، القصْر، الأصيل، العَشيّ، الغروب؛ والليل الذي قسّموا ساعاته: الشّفق، الغسق، العتمة، السُّدفة، الفحمة، الزلة، الزُّلفة، البُهرة، السَّحر، الفجر، الصبح، الصباح.
هكذا، أصبحوا كلما افتقدوها، قالوا: ليذهب أحدكم ليحضر رولا، لا بدّ أنها نسيت نفسها وهي تقرأ كتابا جديدًا استعارتْه.
إنهم يحاربون الحاضر وكأنه قاتلهم، ويُلصقون صورة (هوَ) على وجه كل شخص يريدون قتْله أو تعذيبه أو تشريده، وما داموا يفعلون ذلك فلن يستطيعوا النجاة، لا هم ولا الدولة التي أنجبوها، فكل ما تفعله هذه الدولة، أنها تشنّ الحروب على الماضي، دون أن تستوعب أن الماضي لا يمكن قتْله، إلا إذا استطعت أن تعيش حاضرًا نقيضًا له، وهم لا يعيشون هذا الحاضر، ولذا، لن يكون لها مستقبل.

