More on this book
Community
Kindle Notes & Highlights
فهذا كل ما تستطيع أن تملأ به صفحات كتابها فتاةٌ تعيش في قريتها الصغيرة عيشًا متشابه الصور والألوان، لا فرق بين ليله ونهاره، وصبحه ومسائه، لا تطلع الشمس فيه على مرأًى جديدٍ، ولا تغرب عن منظر غريب.
كأنني أفتش عن شيءٍ، وما أفتش إلا عن نفسي التي فقدتها
يقولون إن فصل الربيع فصل الحب، وإن العواطف تضطرم فيه اضطرامًا فتأنس النفوس بالنفوس، وتقترب القلوب من القلوب،
فإن أجمل الساعات عندي تلك الساعة التي أخلو فيها بنفسي فأناجيها بهمومي وأحزاني، وأذرف من العبرات ما أبرد به تلك الغلة التي تعتلج في صدري.
وأعجب ما أعجب له من أمر نفسي أنني أبكي على غير شيء، وأحزن لغير سبب، وأجد بين جنبي من الهموم والأشجان ما لا أعرف سبيله ولا مأتاه، حتى يُخيل إليَّ أن عارضًا من عوارض الجنون قد خالط عقلي، فيشتد خوفي واضطرابي.
وأحن إليها حنين الليل إلى مطلع الفجر، والجدب إلى ديمة القطر.
كن كما تشاء، وعش كما تريد، فستنقضي أيام شبابك وستنقضي بانقضائها أمانيك وأحلامك، وهنالك تنزل من سمائك التي تطير فيها إلى أرضي التي أسكنها، فنتعارف بعد التناكر، ونتواصل بعد التقاطع، ونلتقي كما كنا.
والشعراء يفهمون من معنى السعادة غير ما يفهمه الناس جميعًا.
إن الذي غرس في قلبي هذه الآمال الحسان لا يعجز عن أن يتعهدها بلطفه وعنايته حتى تخرج ثمارها، وتتلألأ أزهارها، وإن الذي أنبت في جناحي هذه القوادم والخوافي لا يرضى أن يهيضني ويتركني في مكاني كسيرًا لا أنهض ولا أطير،
فكل ما أطمع فيه من جمال هذا العالم وزخرفه رفيق آنس بقربه وجواره،
فلا خير في حياةٍ يحياها المرء بغير قلب، ولا خير في قلب يخفق بغير حب.
وقد علم أن الذي قام بنفسه منذ اليوم ليس الهذيان ولا الجنون، ولا الوسواس ولا حرارة الحمى كما كان يظن، وإنما هو الحب!
فانصرف بقلبٍ غير قلبه، وعقلٍ غير عقله،
وما كان سروره إلا لأنه أصبح يشعر في نفسه ببرد الراحة من البحث عن ضالة غرام ظل ينشدها ويتعلق بآثارها عهدًا طويلًا حتى وجدها،
فكان يرى في صفحة السماء صورة الحب، ويسمع في حفيف الأشجار صوت الحب، ويستروح في النسيم المترقرق رائحة الحب، ويرى في كل ذرة ثغرًا باسمًا، وفي كل نأمةٍ عودًا ناغمًا.
شعر أن شعبة من شعب قلبه قد سقطت بين أضلاعه، وأن لسانه قد التوى عليه فأصبح لا ينطق ولا يبين،
لقد سعد السرير الذي لامسها، والرداء الذي ضمها، والأرض التي لثمت أقدامها، والماء الذي انحدر على جسمها.
ولبثا بعد ذلك ساعة صامتين لا ينطقان، إلا أن في الجبين لغة لا تقرؤها إلا العيون،
إن لغة اللسان لا تكشف لك عما اشتملت عليه أضالعي من الوجد بك، والحنين إليك، فالمسي قلبي بيدك لتعرفي مكنونه، وتكشفي غامض سريرته،
فأسمعيني كلمة الحب لأعلم أنك حاضرة لدي، وأنني لست واهمًا ولا حالمًا.
فقد علمت أن الله ما منحك هذه المنحة من الجمال، ولا جملك بما جملك به من محاسن الخلال، إلا وأنت آثر بنات حواء عنده، وأكرمهن عليه، فهو أضن بك من أن يجرح قلبًا يخفق بحبك، أو يخرس لسانًا يهتف بذكرك، فعُذت باسمك في شدتي كما يعوذ المؤمن في شدته باسم الله، فكان لي خير معاذٍ وملاذ.
ولكنه الحب يملأ القلب رحمة وحنانًا،
لا تبكي يا ماجدولين، فما في قوى هذا العالم كلها قوة تستطيع أن تحول بيني وبينك، قالت: إنما أبكي خوفًا من الحب،
واعلمي أن الله الذي خلق الشمس وأودعها النور، والزهرة وأودعها العطر، والجسم وأودعه الروح، والعين وأودعها النور، قد خلق القلب وأودعه الحب،
فامددي إليَّ يدك، وأقسمي بما أقسم به أن نعيش معًا، فإن قدر لنا أن نفترق كان ذلك الفراق آخر عهدنا بالحياة،
فكوني معي أتخذ من حبك عدة أنازل بها حوادث الدهر وأرزاءه، وأفسد عليه حوله وقوته،
لو أن لامرئ أن يتمنى لنفسه ما يشاء لتمنيت أن يكون هذا الطريق الذي نسير فيه طريق الأبدية،
أوشك القمر أن يغيب، وأنا لا أحب أن أرى مغيبه؛ لأني أخاف أن تغرب سعادتنا بغروبه،
وأشكر لك تلك الساعات القليلة التي سعدت فيها على يدك، وإن كانت سعادة موهومة،
أحببتك للحب نفسه، والسلام.
لا بد أن يكون لي أمل أحيا به، وسعادةٌ أنعم بها، ولا بد أن أقاتل عن أملي وسعادتي حتى أبلغهما أو أقتل دونهما.
فما أصعب الوداع! وما أصعب الفراق بلا وداع!
ونشرت بين يدي رسائلك الماضية، وأنشأت أقرؤها وأصغي إلى حديثك فيها، فخيل إليَّ أنك جالس بجانبي تحدثني فمًا لفم، وأن ما يقع عليه نظري في صفحات رسائلك إنما هي نبراتٌ تسمعها أذني، لا خطوط تبصرها عيني، فسكنت لذلك الخيال ساعةً سكون الطفل الباكي لنشيد المهد،
كأنما كنتِ سر الجمال الكامن في الأشياء،
فأصبحت أشعر في مقامي بينهم بما يشعر به الغريب المُنْبَتُّ الذي يعيش في وطنٍ غير وطنه ودارٍ وأهلٍ غير داره وأهله، فمتى تنقضي أيام غربتي؟ ومتى أعود إلى أهلي ووطني؟
فحبك هو الذي يحييني، وهو الذي من أجله أعيش وأبقى.
أحببت نفسي وحريتي واصطفيتهما وآثرتهما على كل شيء في العالم، فلا أحتمل أن أرى من ينازعني فيهما، أو يغالبني عليهما.
إن حياتي لي، وأنا صاحبها الذي أتولى شأنها، فلا سلطان لأحدٍ غيري عليها، ولا شأن لكائنٍ من كان فيها سواي، فلا أسير في طريقٍ غير الطريق التي ترسمها يدي، ولا أبني مستقبل حياتي على أساس غير الأساس الذي أضعه بنفسي،
إني لا أحب إلا من يحبني، ولا أكرم إلا من يكرمني، ولا أذعن إلا لرأيي وإرادتي، ولا أبيع حياتي وحريتي بثمنٍ من الأثمان مهما غلا.
فليذهب الماضي بخيره وشره، وليأت لنا المستقبل بما نريد.
وما أحسب أن الله أراد بي أو بك سوءًا فيما كان، ولكنه يبتلينا اليوم لنعرف مقدار ما يستقبلنا به من السعادة غدًا.
لم يبقَ في الصحيفة موضع أكتب إليك فيه شيئًا سوى أن أقول لك: «إني أحبك.»
فإن نفسي الحزينة لا يشفيها من دائها إلا أحد الأمرين: إما لقاؤك، أو الموت،
لا صعب في الحياة يا ماجدولين غير الخطوة الأولى، فإذا خطاها المرء هان عليه ما بعدها،
كنت أترقب حضورك ترقب المقرور أشعة الشمس، والظامئ ديمة القطر.
وهكذا أخذ حبها يستحيل إلى رحمة وشفقة، والحب إذا استحال إلى هذين فقد آذن نجمه بالأفول.

