More on this book
Community
Kindle Notes & Highlights
والهفوة التي يهفوها الرجال والنساء جميعًا في مسألة الزواج أنهم يتساءلون عن كل شيء من جمالٍ أو مالٍ، أو خلقٍ أو ذكاءٍ، أو علمٍ أو عقل، أو عفة أو أدب، ويغفلون النظر في ملاك هذه الأشياء جميعها وزمامها، وهو الوحدة النفسية بين الزوجين، فالنفس نفسان: مادية تقف عند مظاهر الحياة ومرائيها، وروحية تتغلغل في أعماقها وأطوائها، وأصحاب النفس الأولى هم أولئك الجامدون المتبلدون الذي يدورون في الحياة حول محور أنفسهم ولا يحفلون بشيء فيها إلا بما يتصل بمطامعهم أو بشهواتهم، والذين إذا شغفوا بالجمال شغفوا به باعتبار علاقته بأجسامهم لا بنفوسهم، وإذا أعجبوا بمنظرٍ من المناظر أعجبوا به من حيث قيمته ومنفعته لا من حيث
...more
وأصحاب النفس الثانية: هم أصحاب الملكات الشعرية الذين صفت قلوبهم، فأصحبت كالمرائي المجلوة، فيتراءى فيها العالم بما فيه من خير وشر، ففرحوا بخيره وحزنوا لشره، ورقت أفئدتهم، فشعروا بألم المتألمين فتألموا معهم، وببكاء الباكين فبكوا عليهم، وخفت أرواحهم، فطاروا بأجنحتهم في آفاق السماء، وحلقوا في أجوائها فأشرفوا على الطبيعة، ورأوها في جميع مظاهرها ومرائيها، فوجدوا في رؤيتها من اللذة والغبطة ما زاحم في قلوبهم حب المال والشهوات، فاعتدلوا في مطامعهم وترفقوا في مساعيهم، وازدروا كل لذة في الحياة غير لذة الحب، وكل جمال غير جمال الخيال.
ولكنها صورة الألم القديم قد رسمها الماضي على وجهه ثم ذهب، فبقيت هي من بعده دليلًا عليه كما تبقى صورة الجرح بعد التئامه،

