كتاب / الثقافة العربية
تأليف / عباس محمود العقاد
.......................................
في كتابه عن الثقافة العربية و مكانتها بين ثقافات العالم يفاجئنا العقاد بحقيقة أن الثقافة العربية هي أقدم الثقافات المعروفة في المنطقة إذا قارناها بالثقافة العبرية و الثقافة اليونانية . فالعرب معروفون في التاريخ قبل أن يطلق عليهم الإسم ( عرب ) ، و كان لهم وجود و تأثير ثقافي و حضاري علي كثير ممن سبقهم من الأمم .
الأبجدية اليونانية كانت أحد أدلة السبق العربي الثقافي ، فهذه الأبجدية عربية بحروفها و معاني تلك الحروف و أشكالها . و التوراة أكدت سبق كثير من أنبياء العرب في الوجود علي أنبياء بني إسرائيل ،و تعلم منهم أنبياء بني إسرائيل .
نحن اليوم نسمع كثيرا عن المناظرة بين الجنس الاري و الجنس السامي ، و عن مزايا كل من الجنسين في التفكير و مباديء الأخلاق ، و يدور البحث كله عن مزايا اليونان في طلب المعرفة ؛ لأنهم آرايون و أوروبيون .
إن الآريين الذن استقروا في القارة الأوروبية وراء بلاد اليونان قد عاشوا مئات السنين علي همجيتهم الأولي ، فلم تنفعهم مزاياهم الارية في ابتداع ثقافة خاصة تنتسب إليهم . فليست " الارية " إذن سر الامتياز و التفوق الذي يخصهم به خلفاؤهم من الأوروبيين المحدثين ، و لكنها الصلة بالشرق و التلمذة عليه .
لم يعرف العبريون كلمة النبي قبل اتصالهم بكنعان في الزمن الذي ظهرت فيه النبوءات العربية . و عرف العبريون نبوءات السحر و الكهانة و التنجيم كما عرفتها الشعوب البدائية ، لكنهم تعلموا النبوءة الإلهية من شعوب العرب .
و كان دور النبي عندهم يقتصر علي الكشف عن المغيبات و الاشتغال بالتنجيم ؛ ففي أخبار صموائيل أنهم كانوا يقصدونه ليدلهم علي مكان الماشية الضائعة و ينقدونه أجر ردها .
و ليس بين الأنبياء الذين دان لهم العبريون بعد إبراهيم من هو أكبر مقاما من موسي _ عليه السلام _ و من الناس من يقدم موسي علي من عداه من أنبيائهم ، و إنهم علي مكانته هذه ليثبتون عنه في سفر الخروج أنه تعلم من نبي " مدين " العربي .
و في نهاية كتابه يري العقاد ان سبب تاليفه لهذه المقالات ليس إلا لدفع شبهات القصور الأبدي المفتري علي أمة عريقة حية ، كان لها فضلها العميم علي الإنسانية ، و يرجي أن يكون لها فضل مثله أو يفوقه علي أجيالها المقبلة ، و هي في مقامها الأوسط بين القارات ، و بين العقائد و الثقافات .