لحين كتابة هذا التعليق مازالت متحيراً من كيفية تقيم هذا الكتاب , كتاب الحضارة للكاتب حسين مؤنس فحسن مؤنس في بداية الكتاب يرسم خطاً في الرمال حول قناعاته الفكرية من مثل وجهة نظره في الحضارة الاسلامية و بعض الافكار العامة من مثل قوله لا معنى للإصرار على ربط الانسان بالقردة العليا في حين ان كتباً تستهدف الحديث عن الحضارة يجب ان تكون بعيدة كل البعد عن اسقاطات قناعات الكاتب على فحوى الكتاب ولكن و بعد المضي بالكتاب , وجدت أن عنوانه لا يتوافق كثيراً مع فحواه , فالحديث هنا اوسع بكثير عن مفهوم الحضارة بل يمكن القول أنه بحث عن حركة الفكر في العالم و تحديداً العالم الغربي و خاصة حقبة التنوير و يبدأ الكتاب بشرح مميزات الانسان التي خولت له صناعة الحضارة ومنها فترة الطفولة الطويلة قبل البلوغ و عدم قدرته على التفريق بين الواقع و الخيال و من ثم يدحض فكرة تأثير البيئة والمناخ على الحضارات و نشأتها و فكرة تأثير الجنس عليها ثم يتحدث عن الفرق بين التاريخ و الحضارة و منشأ الحضارة طارحا السؤال ما الذي يبعث الانسان على التحرك الحضاري مضيفاً بعض النقاط عن أصل الحضارات و تنوع الحضارات وقد شاب الكتاب هنا و هناك بعض الاسقاطات والتحليلات الشخصية على احداث تاريخية اسلامية ابعدت الكتاب عن فحواه وصفعت القارىء خارج النص ولكن هذه الافكار كانت عرضية لا أكثر , ثم يعود الكتاب و يتحدث عن التاريخ و كيف ولماذا يدرس , و من هم المبادرون صانعوا الحضارة وقد استمتعت كثيراً بالقسم الذي لخص فكر إبن خلدون عن الحضارة والتاريخ وكان ملخصا وافيا وممتعاً و من ثم يسترسل الكاتب بالتحدث عن حضارة أوروبا و الفرق بين التيارات الفكرية التي حركة العجلة الحضارية و عيوبها و خاصة الفرق بين فولتير و روسو وختم الكتاب بفصل عن الثقافة والحضارة و الفرق بينهما , الكتاب مميز جداً و يستحق ان يكون باكورة سلسلة عالم المعرفة وفيه كم هائل من المعرفة والافكار يستسيغها كل انواع القراء في الختام تقيمي العام للكتاب هو 4/5 و هو كتاب غني حقاً
مقتطفات من كتاب الحضارة للكاتب حسين مؤنس
-----------------
نظراً لكثرة اسباب الموت من امراض و وحوش و هوام وحروب لا تنتهي بين القبائل في افريقيا نما في القلوب خوف من الموت , ولم يجد الانسان سلاحا لدفع هذا الموت الذي كان يحصد الناس بصورة قاسية و دائمة , الا السحر والكهانة لدفع الارواح الشريرة , وسيطرت المخاوف والسحر والكهانة على ذهنه , فلم يستطيع الاستجابة لتحدي الحياة استجابة ايجابية فعالة
-------------
ولم يشحذ ذهن الإنسان شيء قدر ما شحذه الكلام , لأن الكلام تعبير عن أفكار واستقبال أفكار
-------------
وقد تبين من الأبحاث والدراسات التي يقوم بها علماء نفسية الطفل أن هذا الصغير يستوعب في ذاكرته منذ سن الثالثة على وجه التقريب أشياء كثيرة جدا لا يخطر ببالنا أن ذهنه يختزنها وهذه المعلومات تظل مختزنة في ذهنه ويكون لها في كثير من الأحيان أثرها في تكوينه النفسي ومسار حياته بالتالي لأن هذه المعلومات تظل راقدة ولكنها فعالة وهي تظهر في الأحلام وفي ردود الأفعال ونحن نسميها بالعقل الباطن أو ما تحت الوعي
-------------
وما نسميه نحن بتربية الطفل إنما هو جهد يبذله اﻟﻤﺠتمع لوضع الطفل في القالب الحضاري لجماعته فنحن نعلمه قصدا كل ما تستحسنه الجماعة وننهاه وننهره عما لا ترضى عنه
-------------
من الآراء المتداولة بيننا دون تفكير أن البيئة المعتدلة الجو أعون للإنسان على التقدم من البيئة الحارة الأمناخ وأن البيئة الباردة المناخ تحفز على العمل وتنشط على السعي وهو رأي صحيح من حيث نتيجته لا من ناحية منطقيته لأن الجو الحار يفتر الهمة إلى العمل ولكنه لا يقضي على النشاط الذهني
-------------
ومع الإسلام واللغة العربية أخذت الشعوب التي استعربت تقاليد العرب وأخلاقهم وعاداتهم وأمثالهم وأساليب تفكيرهم , فأصبحوا مسلمين وعربا في نفس الوقت , وهذا أكبر مثل للغزو الثقافي عرفه التاريخ ,فإن ثقافات هذه البلاد كلها-وكانت عريقة وأصيلة-تلاشت مع لغاتها أمام الإسلام والعربية.
------------
هناك أكثر من مهد لحضارة البشر بعكس ما كان يظن في ا لأراضي من أن مسيرة الحضارة بدأت مثلا في وادي النيل وحده , والأقرب إلى الصواب هو أنها بدأت في وادي النيل وبلاد الرافدين وحوض اليانج-تسي وحوض نهر السند وغيرها في أوقات متقاربة ,ثم زاد بعضها على بعض في سرعة التقدم , وتوقف بعضها عند درجة معينة أزمانا طويلة , ثم عاود السير , وبعضها توقف نهائيا عند درجة بسيطة من التقدم.
------------
في حالتي الحضارت المصرية والسومرية كانت مبارحة السهل أسفل الجبل ,حيث كان الجفاف والجوع يسودان إلى سفح الجبل والمغامرة بالتسلق إلى حيث الماء والزرع والطعام وفيرة , كانت هذه المغامرة نتيجة رفض جماعة إنسانية قبول حكم الطبيعة القاسي وإباء العيش الشحيح , وتصميمها على غزو الغياض والسيطرة عليها عن طريق السيطرة على مياه النهر نفسه.
------------
ولا يعرف العلم ما يسمى باللمسة السحرية التي ذهب بعض الناس إلى أنها سبب الخلق والإبداع والابتكار. وإنما المعروف أن معظم ما نرى من الابتكار وما قصصناه في هذه الصفحات من انتقالات من حال لحال , إنما هو ثمرة تغير بطيء احتاج إلى زمن ليتم , فالزمن جزء منه ومكون من مكوناته
------------
الشر المطلق والخير المطلق غير معروضين بمقياس التاريخ , فكل خير له جوانب شر بالنسبة للشخص نفسه أو للآخرين , وكذلك الشر. ولا معنى لهذين المصطلحين في قاموس الحياة أو التاريخ , وإن كان معناهما في قاموس الأخلاق والفلسفة عظيما.
----------
التغيير من حال إلى حال أحسن يتم دائما بواسطة قلة من الناس امتازوا على غيرهم بالاحتفاظ بطبيعة الطفل المتطلع إلى المعرفة , الدائم البحث في الأشياء ومحاولة فهمها أو تغيير هيئتها إلى الأحسن , وهو في هذا كله يعرض نفسه للخطر دون أن يبالي به , وقد تتميز هذه الفئة أو الصفوة بنوع من القلق يجعلها لا تصبر على وضع قائم لا ترضى عنه , وقد تتميز ببعد نظر يجعلها ترى على الأفق البعيد ما لا تراه غيرها,أما غالبية الناس فرأيهم المحافظة على ما هو موروث ماكوف , والسير في الدروب المطروق والاكتفاء من العمل بما يكفي الحاجة , سواء أكانت تلك الحاجة قليلة أو كثيرة , وهي إذا تركت على حالتها ثبتت على نفس الحال أجيالا متطاولة , ومع ثباتها لابد أن تتقهقر , لأن من لا يتقدم يتأخر بداهة ,لأن الكون كله في حركة متصلة فمن توقف تخلف عن الحركة العامة
------------
وإذا كان الناس سواسية أمام القانون , فهم ليسوا سواسية في المواهب والفائدة للجماعة , ولا يمكن-لهذا-القول بأن الناس سواسية في الحقوق والواجبات , بل الحق أن كل إنسان لابد أن ينال من الحقوق بقدر ما يقوم به من الواجبات.
-------------
ويذهب بعض المؤرخين إلى أن وجود صفوة زائفة خير من انعدام الصفوة إطلاقا , لأن انعدامها معناه الفوضى. بل إن الصفوة الفاسدة خير من الفوضى. وليس أخطر على الدولة والجماعة من الفوضى , فإن الفوضى لا تعود بالإنسان إلى البدائية فحسب بل ترد الجماعات إلى العدم , والفوضى هي نهاية كل حضارة بادت أو تحجرت. وهذا الكلام ينطبق بصورة خاصة على الناحية السياسية ,,لأن الجماعة-أيا كان مستواها-لا تعيش بغير إطار أو حد أدنى من النظام السياسي , والفوضى معناها زوال ذلك الإطار
-------------
العناصر الوحيدة التي لها أهمية من الماضي هي النواحي الحضارية , أي التي خلفت للبشر تراثا حضاريا انتفعت به بعدها , وأن الأحداث في ذاتها غير ذات أهمية كبيرة إذا كانت مجرد أحداث انقضت مخلفة أثرا حضاريا
------------
إن التاريخ لا يعظ قارئه أو دارسه , والذين يدرسونه للموعظة والعبرة يخدعون أنفسهم
----------
يندر أن نجد جماعة تتقدم من تلقاء نفسها , لابد أن يكون هناك نفر من أهل الطموح والجرأة والنظر البعيد والقدرة على تصور مستقبل أفضل , ويندر أن يكون هؤلاء رجالا عادي , أي من المنسجمين ’اما مع واقع أزمانهم , الملمين بكل ما فيه , وليس هؤلاء المستسلمون جميعا بأغبياء , بل فيهم الأذكياء الكثيرون , ولكنهم يستعملون ذكاءهم في الصعود على سلم عصورهم دون أن يفكروا في تغيير أحواله , ثم إن أصحاب الطموح والتطلع وحب المغامرة والولع بالكشف الذين ذكرناهم ليسوا بالضرورة أذكياء , بل فيهم الكثيرون من ذوي الذكاء المتوسط بل المحدود , ولكن الذي يميزهم هو جانب الطفولة والصبوة هذا , جانب التطلع والبحث عن الجديد وعدم الرضا عن الموجود , وهم يكونون من أهل الجماعة أو من الطارئين عليها , وقد يفشلون في أوطانهم وينجحون في أوطان أخرى , وقد لا يفلحون أصلا ويدفعون حياتهم ثمنا لهذه الطفولة التي بقيت في كيانهم
-------------
القدامى من يونان وفرس وهنود ورومان , لم تكن لديهم أي فكرة عما نسميه نحن اليوم بالتقدم والتأخر , إنما كانت هناك فكرة الحركة فحسب , أي أن الزمان والأشياء في تغير وتحول دائمين ولهم في ذلك مذاهب شتى
------------
فالتاريخ والحضارة عند إبن خلدون دورة متصلة وصراع دائم على الملك والرياسة , أو ما يسميه إبن خلدون باﻟﻤﺠد والشرف , فأهل البداوة يتطلعون أبدا إلى التغلب على بلاد الحضر للاستمتاع بخيراتها , فإذا وصلوا إلى الملك استناموا إلى الترف وأخذت أجيالهم تضف نتيجة لانغماسهم في الحضارة وفساد طبائعهم تبعا لذلك , وهنا تتطلع أمة جديدة من أهل البداوة إلى الحلول محلهم في الملك والغنى والنعيم , ولا يزالون يعملون حتى يغلبوهم ويحلوا محلهم , وهكذا تستمر دورة التاريخ ودورة العمران وإبن خلدون يحمل في كتابه كله على الحضارة , ويرى أنها تضف من يملك أسبابها ويطمئن في مهادها ويستسلم لنعيمها , فيضعف فيه النزوع إلى القوة ويقل حماسه للجهاد والصراع , وتفسد الحضارة طبعه ويستولي عليه الترف فيفسد ويضمحل.
-------------
وموقف الإنسان من الحضارة وأدوات الترف تحدده ثقافته وتجاربه وذكاؤه وقواه العقلية والمعنوية , أو تحدده كذلك تربيته وما نشأ عليه من قواعد أخلاقية وسلوكية , فمن المعروف أن من يولدون في مهاد النعمة وبيوت الحسب ثم تحسن تربيتهم , يكونون أبعد عن مضار سوء استخدام الحضارة ووسائل الترف ن يهجم عليهم الغنى دفعة واحدة فيفقدون توازنهم , ويسيطر عليهم المال ويحرقه تيار الحضارة ويضيع
--------------
المستوى الثقافي هو الذي يعين الإنسان على اتخاذ موقف سليم مأمون من الحضارة وأدواتها , ولم نقل إن المستوى العلمي هو الذي يعين على اتخاذ هذا الموقف , لأن العلم كثيرا ما يكون طلاء خارجيا أو نموا ظاهريا في المعلومات على طريقة نمو البلورات , ومن ثم فهو كثيرا ما يعجز عن التأثير في طبع الإنسان ولا يعينه على التخلق كما ينبغي لأهل العلم , ولا يمكنه من المحافظة على توازنه أمام مغريات الترف أو الحضارة
-------------------
بسبب التكوين غير الطبيعي لدول المسلمين الماضية , كانت قوة الدولة كلها تعتمد على رجالها ومؤيديهم وعصبيتهم إن كانت لهم عصبية قبلية تؤيدهم , دون أن تحرص دولة من هذه الدول في ربط نفسها بالأمة والسماح لها بالمشاركة في الحكم أو الحصول على أي نصيب فيه , حتى الوزراء والكتاب ورجال المال والإدارة الذين كانت تعتمد عليهم , كانوا يعتبرون موالي البيت الحاكم وملك يمينه ولولي الأمر عليهم حق الحياة والموت دون مساءلة.
--------------------
فضعف الدول عندنا وزوالها أو دخولها في حالة إغماء لا يرجع إلى أن للدولة عمرا تتخطاه , وأن الجيل الأول من أجيال الدولة يكون شابا والثاني كهلا والثالث شيخا , بل لأن الدول لم تكن تقوم على مؤسسات بل على أفراد , وهؤلاء الأفراد منقطعة صلاتهم بالأمة , وإذا انقطعت صلة الجماعة الحاكمة بالأمة وجمهور الناس أسرع إليها الجفاف لتوقف الحركة والاتصال بين الجانبين
----------------
اعتماد الدولة على القوة العسكرية يزيد نفقاتها , ويقلل من إنتاج الهيئة الحاكمة بتزايد أفراد البيت الحاكم ووزارته وحواشيه وخدمه وأتباعه. وهؤلاء جميعا غير منتجين فمن أين تأتي نفقاتهم ومخصصاتهم الكثيرة? من جهد الطبقة العاملة من زراع وصناع وتجار , فيتزايد عبء الضرائب عليهم حتى يعجزوا عن أدائها ,ويجد الواحد منهم أن عمله هو سبب شقائه فيتوقف الزارع عن الزرع ويهجر أرضه , ويقتصر جهد الصانع على ما يقوم بأوده , وينحسر نشاط التجارة لأن التجار الأغنياء يخفون أموالهم ليتجنبوا المصادرات , ويكتفي صغار التجار بعمليات محلية صغيرة , فيقل المال ويسود الفقر وتتهدم المباني وتعدم من يصلحها , ويفسد ما كان قائما من المرافق ويجمد العمل الحضاري في نقطة من نقط تطوره , وبتوقف العمل الحضاري يبدو على البلد كله مظهر الخراب والشيخوخة والهرم
--------------
التاريخ لا يعيد نفسه , لأن التاريخ ليس تيارا واحدا بل هو تيارات مختلفة يسير بعضها مع بعض دون تواز تام أو اتفاق كبير في الغالب: تيارات بشرية وفكرية واقتصادية ودينية وما إلى ذلك
------------------
التغيير الحاسم في مسار الفكر الإنساني والحضارة الغربية من صنع رجال أوروبا الجدد: صغار التجار وكبارهم ورجال الصناعة وأصحاب المناجم والمصانع وأصحاب البنوك ومن يعمل معهم من التقنيين والمديرين والعلماء والقائمين بالأعمال الكتابية معهم من من حفزتهم تجاربهم على الاستجابة للفلسفة الجديدة وكانت مصالحهم تتطلب العلم الجديد
-----------------
نجد بدايات النهضة الأوروبية التي تجلت في القرن الخامس عشر وما بعده. ولم تنشأ النهضة قط نتيجة لهجرة علماء القسطنطينية بعلومهم إلى عالم الغرب , لأن علوم أولئك العلماء إذا كانت كافية لإقامة النهضة في الغرب فلماذا لم تقمها في بلادها في القسطنطينية وهي بها أولى? ولم تحدث النهضة نتيجة لكشف العالم الجديد بل العكس هو الصحيح:كانت الكشوف نتيجة للنهضة وهكذا
----------------
اكتشاف الجماعة الإنسانية للزراعة يضع حدا لحياة التجوال المستمر بحثا عن القوت والمأوى ,لأن الزراعة تعطي الإنسان مصدرا مستمرا ومضمونا للغذاء ,فهو يصنعه ولا يجمعه أو يعيده فإذا إستقرت الجماعة الإنسانية في مكان واتخذته وطنا ,بدأ التفكير في إنشاء البيوت وأدوات العمل وسار التقدم الحضاري في خطوات متوالية.
---------------
السلطة الحاكمة في عصر التمزق تحتكر الفكر لنفسها وهي عاجزة عن الفكر , لأنها في الغالب تتكون من طغمة من أهل الظلم والاستبداد لا يتسع ذهن أفرادها لأكثر من الدفاع عن وجودهم. وخلال فترة التصدع هذه تفسد الطبقة الحاكمة وتتدهور الأمور في أيديها تدهورا مستمرا ,لأنها قضت على الصفوة القائدة أو اضطرتها إلى السير في ركابها محافظة على حياتها ,ودون صفوة قائدة لا تقدم على الإطلاق
------------------
فلاسفة عصر الأنوار كانوا جميعا يؤمنون بالعلم وينقلون مركز الثقل في تحرك الإنسانية نحو السعادة من الكنيسة إلى المفكرين
------------------
إقبال أهل الطبقة الوسطى على التعلم راجع إلى الرغبة في الوصول عن طريقه إلى الصعود في السلم الاجتماعي والسلم المالي في آن واحد.وعلى هذا فالعقل عندهم يتحول إلى علم وإلى مهارة فنية أو حرفية ,والفرد في هذه الحالة يصبح خادم العقل لا صاحبه.ولم تكن الغاية في حسابهم هي الصعود إلى مالا نهاية ,بل الصعود إلى هضبة يكون فيها الاستقرار ولا صعود بعدها ,لأن الفكر الرأسمالي-وهو في نفس الوقت الفكر البورجوازي-لم يكن يسعى إلى تحقيق مساواة مطلقة بين البشر ,ولم يدع قط إلى الفضائل والكمالات دعوة مطلقة من كل قيد ,إنما كانت الفضائل في رأيه فضائل عملية ,والكمالات كمالات اجتماعية ,أي تلك التي يطلبها ويرضى عنها اﻟﻤﺠتمع
-------------------
وظيفة المؤرخ ليست رواية التاريخ ,ولكن وظيفته هي اكتشاف قوانين العلوم الاجتماعية
-------------------
غرائز الإنسان ما زالت كما هي منذ أيام توحشه الأولى قبل التاريخ ,وأنه-من بين اﻟﻤﺨلوقات الأخرى-أكثرها شراسة وفتكا بنفسه وبالآخرين ,فإن أشد الحيوانات وحشية لا يصل به الأمر إلى أن يغتال أفرادا من جنسه ويفترسهم دون دافع قوي , بل إن الحيوان المفترس لا يفترس واحدا من جنسه ,والصراع بينهما ينتهي في العادة باستسلام المغلوب ,فإذا استسلم تركه خصمه ومضى ,ولم يسمع مثلا بأسد يأكل أسدا أو بذئب يأكل ذئبا
------------------
فالثقافة إذن هي ثمرة كل نشاط إنساني محلي نابع عن البيئة ومعبر عنها أو مواصل لتقاليدها في هذا الميدان أو ذاك ,فالشعر الإنجليزي والموسيقى كلها مظاهر ثقافية ,لأنها تعبر عن الطبيعة الإنجليزية وطبيعة منشئيها ,وكذلك الحال بالنسبة للأدب العربي والموسيقى العربية وتراثها الأدبي في جملته واحد-هو تراث الشعر العربي كله-إلا أن الشاعر العراقي مثلا ,إذا كان صادقا في إحساسه وتعبيره يعبر بطريقة عراقية , وألفاظه العربية التي يستعملها لها مذاق عراقي ,وموسيقى هذه البلاد كلها موسيقى عربية ,ولكن الفرق بعيد بين الموسيقى العراقية والمصرية والمغربية ,وكذلك الحال في التصوير
--------------------
بلاد العروبة مجتمعة تراث حضاري ضخم , ولكن التقدم العلمي البعيد المدى السريع الخطى خلال العقود الثلاثة الماضية يجعل هذا التراث العلمي القديم أبعد فأبعد عن مفهوم العلم الذي نطلبه لننهض به ,ومن ثم فإن التراث العلمي العربي القديم على ضخامته يقل تأثيره في النفس العربية شيئا فشيئا ,ولا مفر من ذلك وسيتحول في يوم ما إلى جزء من الثقافة أي من المعلومات التقليدية المتوارثة ,التي يحافظ عليها على أنها جزء من التاريخ الماضي لا جزء من الحاضر والمستقبل
-----------------