السيء فى الأمر أنه ليس سيئاً إلى هذا الحد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذه هى المجموعة الرابعة للشاعر و القاص ممدوح رزق، بداية من تسمية المجموعة بالنصوص يبدي عدم تحيزه لأىٍ من الأنواع الأدبية فيصر على تسميتها بالنصوص كتسمية أبدية بالنسبة إليه مبتعداً عن التصنيف تاركاً للقارىء وضعها تحت أي من المسميات الأدبية كقصيدة النثر أو القصة القصيرة مما يضع القاريء فى حيرة. يبدأ الكتاب بالإهداء إلى الأب ليظهر المفارقة الأصعب بين الإدانة و التحيز، إنه يدين نفسه و يدين الأب و يدين الحياة ..مظهراً أنه فى تصافٍ ملغز معها لمجرد أنها تركت له الحرية في أن يصفها أنها ليست بالجميلة. يقدم المجموعة بجملة إفتتاحية لشارل بودلير من الممكن أن تكون مفتاحا ً للنصوص، تصرخ حروفها بين السطور لتكون الصوت الأقوى (عمّ يبحث فى "السماء" كل هؤلاء العميان ( النصوص من حيث الحجم تتراوح بين القصيرة و القصيرة جداً، حتى أن بعض النصوص لا تتعدى كلماتها الصفحة الواحدة، في جمل مكثفة موحية، تخفى أكثر مما تظهر، و تعطى للقارىء مساحة للتأمل و الاستبطان باستخراج مدلولات عدة. هي لا تعطي إجابات على أسئلة و إنما تعطي أسئلة تستولد أسئلة أخرى تخرج منها أسئلة ليست الكلمات التي تشكل النصوص ذات صبغة مباشرة و دلالة واضحة، إنما متعددة الدلالات مفعمة بالإيحاءات، تقول لك أشياء غير معلنة، تترك للقاريء حرية لتأويلها و بناءها من جديد، و يأتي ذلك عند نقطة النهاية التي دائماً ما تكون صادمة، تخبط رأسك بقوة لتصنع إفاقة مباغتة، تجعلك تسترجع ما فات – كشريط سينمائى تدور بكرته إلى ما لا نهاية - لتؤسسه على ما انتهيت إليه. الزمن له حضور قوي، حيث يكون في معظم النصوص بادئة تستوجب التوقف عند لحظة معينة، هذه اللحظة تستحضر الماضى و الحاضر و المستقبل، كأن للزمن دلالات أبدية، عنيفة في تنقلاتها، حاضرة فى توقفها عند نقطة معينة، و من الزمني و الغيبي تصوغ النصوص أحجية إعتراضية تبغي الحلول. مرورنا اللحظي في الحياة ما هو إلا بناءاً هشاً لبيوت رملية تأتي عليها مياه الشاطىء فترجعها إلى طبيعتها الأولى، ... و ما الشواطيء التى نرنو إليها بأبصارنا إلا شواطيء بعيدة، لا يسعنا إلا مد النظر إليها دون أن تطأها أقدامنا ..نص( الذكرى السنوية( شكاوانا إلى بعضنا البعض ما هي إلا قناع كاذب لجذب الاهتمام و إقناع أنفسنا أن هناك أحداً نكون محط إهتمامه، لكن عندما يغيب هذا الآخر، سنسعى فى البحث عن آخر مثله، و لكننا لا نجد أحداً فنشعر بالوحدة..نص (الأمر لا يحتاج لشراء برواز أنيق ( الشخصيات مشتتة ضائعة في عوالم ميتافيزيقية، شخصيات متوحدة تسعى للكشف عن سوءاتها على الملأ دون تحفظ ، تتأمل في سر الوجود و ماهيته، نماذج بشرية حائرة بين العدمية و الشك و الريبة و محاولة الإيمان بشيء يبدو مستحيلاً، تستحضر له التبريرات، لكنها تبريرات مائعة.شخصيات تسير وحيدة بالليل في الطرقات، تبحث عن مرفأ، تتنفس الشوارع لتخنق وحدتها و تبتسم للسائرين علّها تجد تعقيباً و لو ضئيلاً أو ملولاً على ابتساماتها، لكنها في النهاية لا تجد شيئاً، فترجع إلى حجراتها الفارغة لتواجه الملل و تنتظر المصير في سكون و ترقب لا يبغى شيئاً غير الترقب و حسب..نص ( تكره الإنتظار بجوار النافذة( متوحدون كأنما هم أوجه متعددة لشخصية واحدة هلامية الملامح، تتغير ملامحها مثل حجر ألقي على صفحة البحيرة لتعود كما كانت عليه عندما يسكن سطح الماء، و لكن الداخل كما هو لا يتغير، ناقمون على وضعهم الأزلي، على وجودهم، يحاولون محاولات عابثة لرسم عالم آخر موازٍ للعالم المهتريء الذى وعوه أول ما تفتحت عيونهم عليه، فلم يجدوا إلا سماء سوداء لا تضيئها النجوم أو يظهر فى محياها القمر. كما أن النصوص مليئة بلوحات جمالية جذابة، لوحات تشكيلية مجزأة، من الممكن أن ينظر القاريء إلى كل جزئية منها على أنها لوحة مكتفية بذاتها، و عند نهاية النص يكتشف القارىء موهبته في ربط الجزئيات فى لوحة قابلة للترتيب و إعادة الترتيب مرة و مرات، كأنما هو عالم مفكك و متشظى يسعى لبناء ذاته من خلال خيال القاريء، فيترك الكاتب فسحة للشراكة مع القارىء فى إعادة تشكيل العالم كما يتراءى لكلٍ منهما، أو كأنهما يشتركان معاً فى لعبة بازل في جلسة ود حميمة. الانتظار محملاً بالدموع الساكنة في تربص السقوط على عتبة الخد...تيمة أساسيةالانتظار كحل مؤقت للحاضر و متأمِّل للماضى و متربص فى قلق للمستقبل، أن تولد كى تتلبسك صفة الانتظار فتصير منتظراً، لا يهم ما تنتظر، إنما أنت منتظر و حسب...ربما لا تنتظر شيئاً، يكفى أن تكون منتظر و ذلك فى حد ذاته إثبات لوجودك و كينونتك فى واقع يمل المنتظرين و يخشاهم يعول عليهم، معنى أن تكون منتظراً..أنك تقبلت هذا الواقع فى هدوء، فى تمرد ساكن، تمرد للتمرد لكنه لا يؤثر و إنما يتفاعل غير محتاج لشيء....أفعال غريبة لا تهفو إلا أن تحقق وجودها لا لتنفى وجود شىء آخر و لكن لتزاحم هذا الشىء الآخر و تجد لها مكاناً تركن إليهفعلُ يومىّ هو ما تريده، إفعله بلا ملل، إعزف على لحنه الأوحد ثم عد إلى البيت فى هدوء....نص(حيث أنه أصبح منهكاً من التفكير فى الإهانة( بين الألم و الخوف و الحزن و الإنتظار و الموت يتشكل السيء فى الأمر...إن المجموعة تعبر عن نوع من التعرف على الوجود كنوع من عدم الوجود، وجود للعدم - إنها حالة من الوعى بالذات التي أصبحت وفقا لقوانين بسكال لاشيء، ضرباً من الوعى المرعب http://mamdouhrizk.blogspot.com/2008/... تشكل مجموعة النصوص ( السيء فى الأمر) علامة استفهامية يسبقها هذا السؤال: هل كل شيء على ما يرام؟