محمد حافط دياب، كان أستاذاً الأنثروبولوجيا غير المتفرغ بكلية الآداب جامعة بنها.
ولد في 3 يناير عام 1938 بقرية منية سمنود مركز أجا محافظة الدقهلية. حصل علي درجة الدكتوراه في الاجتماع جامعة القاهرة عام 1980 عن حياة المهاجرين الجزائريين في مدينة مرسيليا الفرنسية. عمل بجامعة عنابة (الجزائر) وجامعة الرياض (السعودية) وجامعة ناصر (ليبيا). أشرف علي العديد من رسائل الماجيستير والدكتوراة في الأنثروبولوجيا والفولكلور وعلم اجتماع الأدب.
نقد الخطاب السلفي محمد حافظ دياب ...................... اعتقدت ولفترة طويلة أن السلفية ليست منهج لرؤية الدين بقدر ما هي منهج نفسي أو طريقة تفضيل معرفية (أسلوب عقلي للتعامل مع المعرفة)، ويشتد اعتقادي ويقوي يوما بعد يوم، فالسلفية تتخذ في أشهر أشكالها الشكل الديني وهو ما ارتبط باسمها، لكن هناك سلفية أخري سياسية مثل الناصرية، وعلمانية مثل التيار الحداثي التغريبي أو (النيو ليبراليين)، كلها سلفية لكن سلفها الصالح يختلف من تيار لتيار، لكن النتيجة واحدة و الهدف واحد، هو الاقتداء بسلف يرونه تقريبا لا يخطيء وفوق النقد. في هذا الكتاب يبدأ فصوله بالتعريف بالسلفية والتفرقة بينها وبين الأصولية، ثم يتحدث عن مكونات الخطاب السلفي، وشكل الأيديولوجيا السلفية وتكوين الجماعة السلفية واشتراطات الانضمام إليها. في فصل لاحق تحدث الكاتب عن بدايات السلفية، بدأ مع الإمام أحمد بن حنبل، واختاره السلفيون تحديدا من بين أئمة المذاهب لأسباب تتعلق بمذهبه في ترك القياس وبعض وسائل اشتقاق الأحكام مما لم يكن معروفا لدي الصحابة واستحسنه الأئمة: الشافعي وأبو حنيفة، كذلك موقفه الصارم من الأحاديث حتي ولو ضعيفة، كذلك موقفه من الرأي وترك التأويل، كثير من مواقف ابن حنبل أدت به ليكون قائد المدرسة السلفية منذ فجرها وحتي الآن. بعد ابن حنبل ظهرا لإمام الطحاوي صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة، ثم تبعه في الظهور ابن تيمية وهو عمدة التيار السلفي الآن بفتاواه وآرائه وكتبه ومعه تلميذه ابن القيم. من بين أهم الآراء التي يتزمت السلفيون في التمسك بها، حرفية النص ورفض التأويل كما يرفضون بشدة فكرة صرف النص عن معناه الحرفي إلي معني يحكم العقل بأفضليته لأن العقل عندهم أصلا مشكوك في قيمته وهو في وضع المتهم دائما، كما أنهم يرون ان السلف كله أفضل من الخلف كله دون تمييز بين الصالح والطالح، كما أنهم يرفضون الفلسفة الفكر الغربي بالجملة ويرفضون حكم العقل دائما، وهم في النهاية يغيبون فاعلية الإنسان. الحركة الوهابية ظهرت علي الساحة الدينية والسياسية كتيار جديد للفكرة السلفية، وكان لها دور قوي في تشكيل وتبديل حركة الوعي الديني والفكر الإسلامي علي مدي أجيال. انتشرتا لحركة الوهابية بدعم سياسي سعودي استعدت فيه السعودي للحلول محل المراكز الثقافية القديمة مثل القاهرة ودمشق، بل إن السعودية عملت علي إسقاط المركزين عن عمد بغزو فكري ممنهج ومنظم حتي تشبع المجتمع المصري والسوري بالفكر السلفي الوهابي وانتهي الفكر الإحيائي تقريبا في المجتمعين. في فصل خاص عن رشيد رضا والنكوص عن حركة الإحياء وانتهائه من مدرسة محمد عبده إلي المدرسة السلفية وتأسيسه لها في مصر، وفي فصل آخر تقسيم الحركة السلفية إلي : سلفية معرفية وسلفية جهادية وسلفية شعبوية. وفي فصل آخر تحدث عن الحالة السلفية المغربية. من أهم فصول الكتاب هو فصل منهج الفكر السلفي، فيه تحدث عن موقفهم من التراث، وكيف يتعاملون مع نص الوحي ونص الفقيه ووصولهم بنص الفقيه إلي مرتبة شبه مقدسة لا يجوز مخالفتها، ولهم موقف من التاريخ يتعاملون فيه بانتقائية شديدة، ويذهبون بالحاضر والمستقبل إلي تصور غريب يطلبون فيه أن يحولونه إلي صورة من الماضي دون مراعاة لاختلاف العصور والثقافات والحضارات. ولهم مواقف من الآخر أيا كان تميل دائما إلي إخراجه من الملة والدين حتي ولو كان مسلما. في فصل عن السلفيون في مصر تحدث عن بعض شروط الانتماء لتيار السلفي وأشد هذه الشروط وأهمها هو الشكل والصورة والزي، فاللحية والملابس شرط أساسي للانتماء للتيار السلفي والتخلي عن لشكل هو تخلي أو فصل من التيار. كما ان لهم عادات في ما يسمي بدورة الحياة: في الميلاد وفي الزواج وفي الموت، عادات الالتزام بها جزء من روح الانتماء للتيار السلفي. في فصل خاص عن مصادر تمويل التيار وجمعياته المنتشرة في كل أناء البلاد، فالجمعيات التي يغذيها التيار السلفي شهرة وكثيرة أشهرها: جماعة أنصار السنة، جمعية الشبان المسلمين و الدعوة السلفية وغيرها.. في آخر فصور الكتاب اتخذ المؤلف نموذج لواحد من أشهر قادة التيار السلفي في العالم العربي وهو (الشيخ أبو إسحق الحويني) قام الكاتب بتأليف فصل في نقد فكر الشيخ وقراءة في بعض مؤلفاته وتحقيقاته ويبدو منها أن الكاتب فعلا مطلع اطلاع جيد علي موضوعه. الكتاب وافي جدا في موضوعه ويستحق القراءة.
يعتبر الكتاب مقدمة تاريخية جيدة لتتبع نشأة الخطاب السلفي في الإسلام وتمايزه عن الجماعات الأخرى، وكيف أبرم العديد من الصفقات السياسية في مختلف العصور لتبرير وجوده رغم عدم امتلاكه لمشروع سياسي واضح، بل مجرد منهج محدد في الإقصاء والتقرير. دائمًا ما تتخذ تلك الحركات عبر التاريخ إشادة واهتمامًا من قطاعات واسعة من عامة الناس، وفقًا للكاتب، لأنها لا تحتاج إلى عقل ناضج بالمفهوم المعرفي، وبالتالي لا تتطلب عملية ذهنية مركبة للفهم والتدقيق، مما يجعلها تتمتع بسلطة قوية في توجيه سلوك الأفراد والجماعات وتسييرها. في الوقت نفسه، تتمتع بخطورة التطبيق الثائر المتطرف، إذ من السهل باسم هذا البعد الإيماني أو ذاك محاربة الخصم الآخر المخالف، وتجميع العامة لمقاومة هذا الخصم بنفس الاستراتيجية، مما يجعل الانزلاق إلى الهستيريا الجماعية من أيسر الأمور.
يرجع سيطرة هذا الخطاب إلى الجرح النرجسي الذي تعاني منه المنطقة العربية بسبب الهزيمة الحضارية أمام العدو اللدود للحضارة الإسلامية. أفضى إيمان السلفيين بكفاءة مرجعيتهم إلى قطيعة مع الغرب تحولت إلى عداوة، مع انكشاف صدمة الحداثة التي تشكل تهديدًا عميقًا للوجود الإسلامي برمته. كما تشبع الذهن السلفي بنظرية المؤامرة، حيث يُنظر إلى الغرب باعتباره كافرًا، وأمريكا هي الشيطان نفسه. يُنظر إلى خصومهم داخل المجتمعات الإسلامية باعتبارهم متآمرين وعملاء للغرب الكافر.
أشار نزيه الأيوبي أيضًا إلى غياب أي آلية للمقاومة أو استيعاب الحداثة في الخطاب السياسي الإسلامي. بالنسبة له، تم استهلاك الجماعات الإسلامية تمامًا، وتم تدجينها ودمجها داخل النظام النيوليبرالي العالمي. وصلوا إلى السلطة في العديد من البلدان عبر انتخابات انتهت بفشل ذريع، وذلك لأن هذه الحركات لا تتأسس وفق برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي محدد مثل الأحزاب السياسية التقليدية، بل وفق منطق مغاير يعتبر السياسة استكمالًا للمشروع الدعوي. يتم تفعيل نسقها القائم على التعبئة والمصلحة والتدافع والخلاف، كما حدث مؤخرًا مع الأحزاب السلفية في مصر. استمر مسلسل الدعم غير المحدود من دول الخليج والسيطرة على الثقافة الشعبية بسبب تفاقم الهيمنة الغربية المادية والفكرية. العامل الثاني يكمن في تحلل الفكرة الوطنية القومية وانفجارها، وتحول الدولة إلى أداة قهر اجتماعي. أما العامل الثالث فهو الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي انعكست في صورة تدهور مطلق في مستويات معيشة الطبقات الشعبية، وتفاقم التفاوت الغاشم في توزيع الدخول.
هو أحد أفضل الكتب التي تبحث في تاريخ الفكر السلفي منذ جذوره ونشأته الأولى وحتى الآن.. يحلل أدق التفاصيل، ويتخذ منهجاً علمياً صارماً لنقد الخطاب السلفي.. بدءاً من الأب الروحي والمؤسس الحقيقي ابن حنبل وما نشأ عن مذهبه الفقهي.. وخلافاته مع المعتزلة ومحنة خلق القرآن.. إلى اتخاذ الحنابلة سبيل تغيير المنكر باليد واتخاذ سبيل العنف في بعض الأحيان.. ثم يذهب لابن تيمية باعث الحركة السلفية من جديد والمنهج الفقهي لديه وأفكاره العقائدية.. ثم يذهب لابن عبد الوهاب والحركة الوهابية والانبعاث القوي للحركة السلفية في الحجاز وكانت الصحوة التي أدت لكثرة التيارات السلفية في العالم خاصة بعد نجاح آل سعود في السيطرة على مقاليد الحكم في الحجاز.. ثم يذهب لأنواع السلفية وأفكارها وطرقها حتى يصل لأبي إسحاق الحويني ومحمد حسان ومن قبلهما بن باز وابن عثيمين.. الخلاصة من كل ذلك.. هو كتاب رائع ودسم وعبقري لكل باحث عن المعرفة بالفكر السلفي من بدايته حتى الآن.