حاول المؤلف أن يقرب للقارئ الشعر الجاهلي غاية جهده ووفق فى هذا كثيرا..ترى أنه قرب إليك هذه الألفاظ العصية ، وطوال الكتاب يبرهن لك على أن هذه الألفاظ تشبه لغتنا( فهم قوم لم يتحدثوا بلغة أجنبية ولم يستخدموا ألفاظ معربة بل لغة عربية مبينة لكن قديمة ) ليست الفصحى المتداولة فقط، لا ،بل هى تشبه عاميتنا لكن الفارق هو اختلاف البيئة، فهو يكرر تشابه ألفاظ يذكرها الشاعر بألفاظ نستخدمها في عاميتنا على نفس النغمة والمدلول لتجزم بعدها أن المنبع واحد .. يقول ص ٦١١: وقد اتضح لنا أن عدداً من ألفاظنا العامية الحديثة لها أصول أو على الأقل نظائر فى العربية القديمة، تؤدي نفس المعانى أو قريب منها. رأينا منها فيما سبق الذعبلة والمذعلب و"اذعلب" وشبيهتها "ادحلب" ، ورأينا" متعثكل "و"حسكل" وشبيهتها " فشكل"..ولعل من علماء اللغة والأصوات من يهتم بهذه الظاهرة ذات الأهمية" . وهو لم يكتف بالربط بين لغة الشعر الجاهلي و لغتنا الدارجة بل استغل معرفته بالأدب واللغة الإنجليزية ليربط بينها وبين العربية ليظهر لى أكثر أهمية معرفة لغة أجنبية بجانب العربية-وأنا أعلم بالطبع هذه الأهمية- لكن ظهر جليا فى هذا المزج الجميل بين الآداب وعادات الشعوب المختلفة جنسا وزمنا وجيلا. فى رأيى أنه قد بلغ الغاية فى شرحه وتقريبه للشعر القديم وحبب إلى هذا الشعر،لا محبة تقدير بل محبة تذوق وفهم ، وشجعنى كثيرا لمحاولة فهم هذا الشعر وتذوقه والعيش فى أجوائه.
في نظري هذا الكتاب يعد واحدا من الكتب الهامة جدا التي تناولت الشعر الجاهلي، سواء اتفقت مع أفكار المؤلف أم لم تتفق إلا أن هذا الكتاب أضاف بعدا جديدا لفهم الشعر الجاهلي وكان واضحا فيه جهد المؤلف في محاولة تقريب هذا الشعر إلينا. يتناول هذا الكتاب الشعر الجاهلي دراسة وتحليلا من أجل هدفين اثنين: أولهما: ارشاد القارئ وتوجيهه إلى الطريقة الصحيحة لفهم الشعر الجاهلي وإدراك معانيه وجوانبه، وثانيهما: تقريب هذا الشعر ولغته التي يراها الناس صعبة بعيدة المنال. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف اختار المؤلف عددا من القصائد الجاهلية المتنوعة غير المعلقات باستثناء واحدة، وكان هدفه كما ذكر تعريف الناس على بعض القصائد العالية غير المعلقات والابتعاد عن التكرار. لم أكن أتقبل فكرة استخدام المفردات العامية في الكتب -ومازلت أرفض فكرة أن يكون الكتاب كاملا باللغة العامية أو أن تغلب عليه العامية على الفصحى- حتى قرأت هذا الكتاب، ففي خلال شرح كثير من المفردات العربية يلجأ الكاتب إلى اسقاط هذه الحالات إلى حياتنا العامية وتبسيطها بمثال عملي منها، ما أضاف للكتاب لمسات لطيفة. كما تناول الكتاب عددا من القضايا الهامة في الشعر الجاهلي واستنبط منها خصائص حياة الجاهليين وما هي أنماط وأساليب حياتهم، وكيف كان الشعر انعكاسا حقيقا وصادقا لتلك الحياة الواقعية. لعل هذا الكتاب من أعمق الكتب التي نفضت الغبار عن جوانب كانت مهملة في فهم القصيدة الجاهلية، فهو لا ينظر إلى القصيدة ككلمات وألفاظ ويشرح معانيها، ولكن تجاوز هذه إلى فهم بيئة القصدية ومحاولة ادراك نفسية الشاعر، بل وصل إلى مرحلة أن الأصوات وترتيب الكلمات والأحرف لها دور هام في إيصال المعنى. هذا الكتاب يستحق التفكر والتأمل والوقت من طلاب العلم في هذا الباب، فهو كتاب إضافة إلى معانيه وأفكاره الجديد، فهو كتاب ماتع جدا بأسلوب يأسر القارئ ويطرد عنه الملل.