انحنيت نازلا إلى سوق "الرومبلي" الشعبية ، التي لا يعرفها إلا من زلت ساقه حاجة أو فضولا، أسفل جسر سيدي راشد، حيث يتواعد الذين خرجوا في الصباح تائهين وهم لا يعرفون لهم مقصدًا، فيسألون عن أثمان العصافير، والخردوات وقطع الغيّار، يجربون قطع ملابس اختفت في أمريكا منذ ثلاثين سنة، يشترون أغراضًا نحاسية بلا معنى أو كنوزًا بدنانير، وصورًا عتيقة للمدينة وأعوادًا بلا أوتار وربما كمنجة جديدة لفرقة مالوف فاشلة، وقد يقتنون أيضا من المكان أشرطة غنائية لمطربين ماتوا دون أن يعرفهم أحد. وجوه حرشاء حفرها الأسى، ملامح منطفئة، وأتربة تتصاعد وأمكن لها أن تُرى بانعكاس ضوء الشمس لكن لا يأبه لها أحد، ينظر الجميع إلى بعضهم بفضول وكأنهم متوجسون لوجودهم في هذه الهوة السحيقة، بينما لا أحد من الذين اجتمعوا هنا يرفع رأسه إلى أعلى، حيث "الرّحبة".. الشمس تعمي عيونهم ! صعدت متثاقلا أشعر بانقباض في جوفي، وحالما خرجت إلى الفضاء الرّحب، أصبحت بغير إرادتي جزءً من كرنفال شعبي ملون، مسيرة تتحرك في كل الاتجاهات لكن لا تعرف لها وجهة محدّدة، اختفى بعض النّاس في الأنفاق الأرضية "سو تيران"، عدد آخر اتجهوا إلى سوق "بومزو" وصعد آخرون سلالم المحكمة، كان عدد المتخاصمين ومسانديهم معتبرًا.. أكملت مع البقية.. معاكسات صباحية وأصوات مغلظة وبذاءات فاحشة وبصقات ونظرات ونظارات طبية وأخرى لماعة، ووجوه شاحبة تنظر في الفراغ وأخرى نضرة وثالثة مطلية بـ "الماكياج". تلك تخففت من لبساها وهذه تلحفت بحجاب شرعي، هذا يرتدي معطفا في هذا الحر، وذاك يحمل أوراقًا والجميع متجهمون كأنهم عادوا لتوهم من جنازة أحد أقربائهم.. أرتال من السيارات على اليمين وأمواج من البشر على اليسار وباعة الأرصفة بين هذا وذاك في غدو ورواح ملوحين ببعض من العطور الرخيصة والمناديل الورقية والدبابيس وأحدهم بتسريحة شعر قديمة ينشد مثل مذبوح: «سواك حار فلفل». يغوص الممثل الفكاهي عيسى سطوري وسط أمواج البشر، الشيب غزا لحيته فلا يتعرف عليه أحد، عجيب كأنني رأيت ملامحه أو شيئًا يشبهه في منام أمس، بينما تطفو خالتي «منوبة» فوق الموج، بصوتها المجلل الصدّاح: «أعطوني ألفين» وبالقرب منها سيدة فاحمة ترسل ابنتها إلى المارة لتتعلّق بتلابيبهم طلبًا لصدقة بالإحراج. أمشي أبحلق في النّاس، وملامحهم التي لا تتشابه، إلى أن تراءى لي كمال في وجه أحدهم، كان يشبهه لولا أنه الرّجل أبهى طلّة منه. أخبرني وجه الرجل فجأة أنه يوم عمل، كيف لم انتبه؟ رأيت جموع المتقاضيين ومسانديهم تلج باب المحكمة ولم أركز، كأنني تجاهلت ذلك، يكون كمال قد استعمل كل قاموسه البذيء، موقعًا بي كل الشتائم التي يعرفها
نجم الدين سيدي عثمان من مواليد 2 نوفمبر، اشتغل في الصحافة المكتوبة منذ سن مبكرة، عمل طويلا في الصحافة المكتوبة وخاض تجارب في المرئي والمسموع (الإذاعة) والرّقمي، في رصيده رواية وكتابان في أدب الرحلة وكتاب في أدب كرة القدم وكتاب في السيرة الذاتية وكتابان في العناية الصحية والتغذية والتطوير الذاتي
حين فرغت من قراءة الرواية ووصلت للسطر الأخير تنفست بعمق وأضفت: "الحمد لله لم تخيب الرواية أملي، وستصبح هذه الرواية إضافة جميلة للأدب الجزائري بصفة خاصة والأدب العربي بصفة عامة". الرواية ذات ال 230 صفحة تتطرق لحياة شاب جزائري قسنطيني قد حدث وقابلته يوما ما أو قد يكون أحد أفراد عائلتك الصغيرة أو الكبيرة، فبتسليط الضوء عليه من طرف الكاتب جعلنا نرى فئة الشباب ككل في حياة ويوميات هذا الشاب الجامعي، البطال، الناقم على وضعه في الجزائر، هذا الشاب الذي يدعى العياشي كان بطلا منفردا لرواية الكاتب نجم الدين سيدي عثمان: " هجرة حارس الحظيرة". الكاتب وفي عدة فصول استطاع أن يضعنا في الصورة التي تختصر جميع المآسي من خلال العياشي! البداية كانت من عمله في الحظيرة بعد تخرجه من الجامعة واصطدامه بالمصير المحتوم " البطالة" – وبالمناسبة وفق الكاتب في الإشارة إلى مهنة حارس الحظيرة كونها من المهن المهمشة داخل المجتمع- أما مربط الفرس فكان لدى غول الخدمة الوطنية، أكبر هاجس يؤرق الشباب، ورغم تخفيض زمن الخدمة غير أن القشعريرة تسري في كامل جسد كل من توافرت فيه ظروف قضائها. وللهروب من هذا الغول اختار العياشي الطريق الذي يختاره الكثير، ركوب البحر، الحرقة وتسليم النفس للمجهول، يرى الكثير أن طريق المجهول مختصرة جدا مقارنة بطريق الوصول إلى منالك في الجزائر. هجرة العياشي مختلفة جدا عن كل ما يمكن أن يخطر على بالك كقارئ، وحتى ان وجدت بعض الملل في البداية إلا أن المئة صفحة الأخيرة ستسرق النوم من عينيك، ولن يغمض لك جفن حتى تعرف مصير العياشي " اللي يقطع القلب". لا أريد الغوص أكثر في أحداث الرواية حتى لا أفسد نكهة المفاجأة للقارئ، غير أنني سأشير إلى بعض النقاط الايجابية التي تحسب للكاتب خاصة أنها التجربة الأولى له في مجال الرواية: - غوص الكاتب في أعماق المجتمع الجزائري وهواجسه بصفة عامة، والقسنطيني بصفة خاصة بتفاصيل دقيقة قلما نجد لها مثيلا خاصة لدى الكتّاب الشباب. - تسليط الضوء على ظاهرة " الحرقة" رغم أنه يبدو في البداية قد يبدو الأمر مبتذلا، غير أن هجرة العياشي مختلفة جدا عما سبق وقرأت أو سمعت. - ابتعاد الكاتب عن المواضيع المبتذلة التجارية، التي اختارها في الآونة الأخيرة العديد من الكتاب للوصول إلى القراء بسرعة كبيرة. - يبدو أن الرواية استنزفت طاقة كبيرة من الكاتب، حيث أدرج الكثير من الشواهد، غاص في تاريخ المدينة وأساطيرها كما أظهر مقدرة على توظيف معلومات في فقرات مناسبة. رواية تستحق القراءة، بالتوفيق للكاتب.
إذا لم يستطع الساسة توحيد أقطار المغرب العربي في كيان واحد، فإن الروائي الفذ نجم الدين أن يوحّد الكائن المغاربي في شخصيّة مشتركة واحدة. هذا العياشي الشاب المنبثق من رحم الهامش الجزائري يمكنك كقارئ أن تجده شبيهه في تونس وفي ليبيا وفي المغرب وفي موريطانيا. إنه يشتمل على كلّ تلك المقوّمات التي نبحث عنها: الفقر، سوء الحظّ، ظلم الدولة والمجتمع، والأهمّ من كلّ ذلك حلم اجتياز الحدود في اتجاه ذلك الحلم الأفق، أوربا الواهمة التي تعوض عن فقد الأمل في الوطن. بعد أكثر سنتين من قراءتي للمخطوط قبل أن ينشر أجدني مشدودا إلى تلك العوالم التي انبثقت روايتي شارلي من عوالم تشبهها.
كانت مقررة ضمن نشاط القراءة الجماعية... لجمعية قسنطينة تقرأ . Constantine Reads 📚 هجرة حارس الحضيرة اول مولود أدبي للكاتب الجزائري الشاب نجم الدين سيدي عثمان سنة 2017 المطلع على الرواية و كأنها سرد لتفاصيل حقيقية، أضيفت لها بعض البهارات من الخيال، فالعياشي (بطل الرواية) شاب جزائري بسيط خريج جامعة تخصص تاريخ، انحصر عالمه في بقعة تركن فيها سيارات العامة، رفقة صندوق خضار الذي كان يتخذه ككرسي ، الكاتب اضاف الكثير من التفاصيل ليقرب الصورة للقارئ أكثر ذاكرا بذلك الحي يقطنه بطلنا بقسنطينة، رقم الطابق و الشقة، لون القميص الذي يرتديه، الأماكن التي يرتادها ، صفات أصدقاءه، الخ
في وطن همش فيه الجميع، و أكثر فئة تضررت هم خريجي الجامعات فقد كانوا يعلقون امالا كبيرة على الشهادة في التوضيف أو في ملف الهجرة ، فهذه الشهادات اضحت لا تسمن ولا تغني من جوع لا تصلح لشيء...... ليجد العياشي نفسه مضطرا ليكسب بعض الدنانير من تلك الحضيرة البائسة فتجده تارة شاردا و تارة يصطنع ابتسامات ما تلبث تجهض على حافة الشفاه، هذا المكان المسمى حضيرة أصبحت ملاذه و صديقيه ، لا يغادرها الا فيما ندر لأنها قد تُحتل من طرف أحدهم في ظرف قصير
مع مرور الوقت و استمرار الوضع على حاله لا جديد سوى مزيدا من التهميش و تفاقم البطالة و زيادة الإحباط و اليأس يسطر على القلوب، ليزيد الاستدعاء الخاص بأداء الخدمة الوطنية الطينة بلة، لتغير رأي العياشي بخصوص الهجرة الغير الشرعية، فبعد ان كانت لا تعني له شيء أو لا تهمه، أصبحت كل همه. فالكثير من الشباب المهمش و الناقم على المجتمع و السياسة المتبعة، همه الهجرة الى اي مكان، فالكل يحلم بالجنة الموجودة ما وراء البحر و ما شجعهم على ذلك الكل لديه صديقات كثيرات في جميع أوربا، و أصدقاء غامروا و نجحوا. تفشل رحلة ركوب البحر في آخر لحظة، أما الرحلة التي قام بها فهي أغرب مما يكون لكم ان تتخيلوا، يضع كل مدخراته ليشق أدغال أفريقيا متحديا بذلك كل الأخطار أي عقل و اي تفكير تملكه لحظة اتخذ ذلك القرار.. المبلغ لا يستهان به الذي تم صرفه أليس الأجدر لو فكر بمشروع صغير؟
رحلة إلى المجهول المخيف قام بها العياشي ليصطدم بواقع أنهكه ايام عمره ضاعت هباءا في لا شيء و مدخراته تبخرت هذه هي الغربة التي يغامر بها الكثيرون... كانت تجربة كادت تطحن روحه
الكاتب شخص المجتمع الجزائري من ناحية طريقة التفكير العام، رغم اختلاف اطيافهم كما جعل القارئ يعايش الكثير من التفاصيل القسطينية. موضوع الرواية ككل هو عن ظاهرة الهجرة الغير شرعية التي أصبحت تتردد في كل مكان من طرف الجميع، قدم خلاصة من تسول له نفسه بالهجرة، أين الكرامة تداس، يصبح الفرد قد لا يساوي أقل من أصغر ورقة مالية، اللؤم، الخداع، الغش أين إذن يريدون الهجرة... كل هذا و ذاك وفق اسلوب أدبي شيق بلغة جميلة جعلتني استمتع كثيرا ملاحظات : شخصية العياشي تحسها احيانا عبثية لا فرق معه كل شيء غير عنده سيان بعض الأمور اخذت مساحة في الرواية أكثر مما يجب ⭐⭐⭐ #اقتباسآت كل واحد من هؤلاء المنبوذين الذين تنساهم الوطن تذكروا فجأة انهم صوت جاهز ليتكلم، انهم صرخة مدوية و مزعجة، انهم قنبلة متحركة على ساقين، لقد حشت السنوات الأخيرة بداخل الآلاف المهزومين مزيدا من النقمة و الحنق و جعلتهم على أهبة الاستعداد ليوم يؤدوا فيه مهمتهم فيما كان "الربيع العربي" ينتظر الوقت الملائم لينتشر كليل صامت
كنت على استعداد في ايامي الأولى في السجن ان اهب كل شيء مقابل ان أعود إلى أرض الوطن حتى و ان لم يسأل عنا، كانت الغربة تمزقني فتعصر روحي، وزادت بعض التخيلات و الشكوك في جعل الأمور تسوء أكثر الى حد خفت على نفسي من الجنون #عفاف