فهد العتيق كاتب سعودي يكتب في مجلة الفيصل وأخبار الأدب وجريدة الرياض والحياة يعيش في العاصمة الرياض. كتب أغلب قصصه ورواياته عن حارات الرياض القديمة والحديثة والتحولات التي عاشتها هذه المدينة العريقة خلال الخمسين عاما الماضية. صدر له عدة كتب في القصة والرواية من أهمها: إذعان صغير وكائن مؤجل. نشرت الصحف السعودية والعربية العديد من المراجعات والدراسات النقدية عن كتبه في القصة والرواية. وترجمت الجامعة الامريكية بالقاهرة روايته كائن مؤجل وصدرت بعنوان: life on hold عام 2012 . وصلت روايته الملك الجاهلي يتقاعد الى القائمة الطويلة في جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2015.
مرفق رابط لكتابات ونصوص الكاتب. وأيضا المقالات النقدية عن كتب المؤلف في موقع فيس بوك باسم : فهد العتيق كائن موجل وصحيفة الحياة.
يكتب "العتيق" في مجموعته القصصية هذة عن هموم العولمة, ويعبر بسلاسة أسلوبه, وبطريقته اللطيفة في خلق التعابير, ورسم المشاهد, وإحياء الصور, عن الهموم اليومية للفرد المعاصر, وعن الروتين الثقيل, والمساحات الضيقة للحركة, فيعيد تأسيس شكل الحياة بمفهوم آخر متحضر وسوداوي, وينطلق في إختطاف تفاصيل ملامح الحياة بشكلها الحداثي, ليجعلك شريكاً له في الشعور والإحساس بالحدث, وفي أحيان أخرى.. كان يخلق مفارقات بسيطة بين شكل الحياة اليوم وشكلها في الماضي القريب, ويتفنن في الإشارة إلى سلبيات كماليات حياتنا المعاصرة, وهو في هذا المجال بارع وشفاف ومثير.
أحببت صياغته ولغته العبقرية في تصوير الأحداث ورسم الأمكنة وخلق الظروف وإعادة الزمن وإيقافة ومن ثم تحريكه حتى يصل إلى نقطة النهاية ويتوقف. وأحببت وأنا أغوص في عمق النصوص المختلفة, كيف أن الكتاب خلق بطريقة ما, تجعل من قراءته مع نسمات الصباح الأولى مذاقاً مختلفاً وشهياً, وكيف أنهُ يشاركك ذات الهم والمغنى, فتجد نفسك في كل نص, حاضراً بهمومك ومعضلاتك اليومية, وبقدرك المظلم والباهت في أحيان أخرى كثيرة. الجميل في أسلوبه أنه قادر على أن يتغلغل في نفسك, وينبش من داخلك أسرار المكان والزمان, وحظك العابر وخطيئتك المشتركة التي دفعتك للعيش هائماً على وجهك في الطرقات التي لا توصل لشيء. مجموعة قصصية لطيفة, وقريبة من القلب.
الحقيقة إني مش حاسة إني هلاقي كلمات كافية توصِف حلاوة القصص القصيرة ولغتها الناعمة والجميلة. كل قصة بحكاية، كل قصة فيها أمل وخيبة بنسب مختلفة، كل قصة كإنها بتفتح شباك علي حياة شخص، بنعيش معاه حدث بسيط أو معقد، وبعدين بتنتهي القصة وإحنا بنتسائل ايه اللي حصل بعد كده. بضم الحقيقة رأيي لبعض النقّاد اللي آرائهم مضافة في آخر الكتاب واللي وصفوا القصص بإنها تصلح تكون روية مترابطة، وذات لغة مميزة. أوصافه في كل قصة عظيمة الحقيقة، عاديّة الأبطال اللي مبهر إنه قدر ينقل لينا قصصهم بشكل جذاب. أنا عامة مؤمنة إن القصص بتاعة الأشخاص اللي نقدر نوصفهم بإن حياتهم غير مثيرة للاهتمام تستحق الذكر وبتكون في الآخر قريبة لينا عشان مين فينا ممرش بفترة "عادية" في حياته. فهد العتيق قدر يعبر عن الأشخاص دي بسلاسة وجمال. ده أول كتاب أقرأه لفهد العتيق ومش هيكون الأخير.
هي قالت هذا لفهد العتيق .. كآبة ووحدة وطرق لا توصل المجموعة صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وجاءت في 137 صفحة متوسطة القطع. عمل العتيق الأخير كبعض أعماله السالفة تتداخل فيه أنماط كتابية مختلفة في سمة أصبحت مألوفة هذه الأيام وسميت تداخلا في الأنواع أو نصوصا مفتوحة واعتبر كل ذلك من تجليات العمل القصصي الحديث. في قصص المجموعة سمات خاصة دون شك واجواء موحية جميلة قوية الوقع الي حد انها احيانا تبدو كأنها تطبق علي صدر القاريء وتكاد تخطف انفاسه. ومع كثير من الخصوصية فيها فإن القاريء ربما وجد نفسه يستعيد اجواء متعددة منها لفرانس كافكا وليوسف الشاروني وزكريا تامر وحتي رشيد الضعيف كما في قصة العتيق اذعان صغير . استهل الكتاب بقصة عنوانها انفاس الليل . انها عمل ترد فيه السمات القصصية في اجواء شعرية وجدانية تصويرية تنقل العالم الخارجي بدقة حينا كما تنقل نبضات النفس الداخلية ـ وحتي هواجسها ـ متداخلة مع هذا العالم الخارجي حينا اخر. وهي تشكل نصا ربما اختلف عن عدة نصوص اخري في الكتاب. تبدأ القصة كما يلي في هذا الليل البري البارد والهاديء والمخيف والممطر بهدؤ كنت اسمعه يأتي خفيفا من بعيد كأنه صوت طائر محبوس او صوت لكائن لا اعرفه.. لكنه صوت انيس يشبه الموسيقي احيانا ويشبه الرنين البعيد.. . ويترك بطل القصة سيارته في وهد هبطت فيه ويسير وسط الليل مفتشا عن مكان غامض يشير اليه احيانا وكأنه لا يشير بل كأنه يزيده غموضا وايغالا في الرمز رغم كل الصفات الواقعية التي يغدقها عليه. ويضيف مشيت مسافة نصف ساعة تقريبا حتي اضعت انوار سيارتي ولازال الصوت الخفي يتبعني مع صوت المطر علي الارض الرطبة والهواء البارد يضرب صدري ضربات متتالية حتي بدأت اشعر ان حلقي صار اكثر جفافا وخشونة مع احساسي بالدوار وخطواتي اصبحت اقل اتزانا وبدأت اتحدث مع نفسي وأنا اضرب الارض الممطورة بقدمي الرخوتين حتي عاد صوت الطائر المحبوس قادما ربما من البعد يضيء ظلام الوقت والمكان والروح والاسئلة والخوف.. ومع ما في نهاية القصة من خطرات فكرية تبقي اهميتها في الصياغة الفنية الشعرية الموحية التي اتي بها العتيق. العنوان التالي كان في مديح الرقص الجميل . اننا هنا مع قصيدة وكل ما فيها من حركة قصصية بمعني وصف احداث مضت او محاولات حوارية غير مكتملة.. لا يغير في طبيعتها. يقول ازوركم الان.. في بيتكم الجديد/ بعد تغير الوقت والاحوال/ وبعد هبوب رياح صغيرة اقتلعتنا جميعا/ ورمتنا في متعة جديدة بلا روح/ امك ليست امك/ وأنت لست أنت/ اراك سارحا وحزينا/ لكنك لازلت طويلا ونحيلا وجميلا.../ ولازلت تحكي لي بنبرة هادئة وعميقة/ عن الذين رحلوا ولم يعودوا/ وعن حلمك الذي احببت ومات/ وعن وجوه النساء التي احببناها .. . وقد يكون عنوان القصة التي تلتها وهو ابواب وطرقات حائرة اختصارا موفقا لكثير مما طبع نتاج المجموعة ككل. ان قصصه تفيص بالابواب المغلقة وتلك التي تؤدي الي ابواب مغلقة اخري والي مجاهيل تنفتح علي مزيد من المجاهيل.. وبشوارع الحارات الضيقة المكتظة بالناس وبهمومهم المادية والنفسية. يقول خرج في صباح هذا اليوم البارد ووضع في جيبه ضحكته المحايدة وقاد سيارته بهدؤ... يتأمل ناس الصباح ويتأمل شمسا قوية علي عينيه المخدرتين ليظل اقل انتباها وأقل حذرا وأقل رغبة في ان يصل الي ما يريد ... يتأمل عيونا مجاورة مليئة بالنعاس.. يحدق في الفراغات.. يتأمل اشارات المرور وعمال النظافة وتلاميذ وتلميذات المدارس.. . ويزيد الباب الكبير الذي امامه يفضي الي باب اخر والباب الثاني من بعده سوف يقوده الي ابواب مفتوحة وممرات كثيرة مغلقة.. يقف مترددا وخائفا ومتلصصا.. والناس تدخل وتخرج من ابواب كثيرة لكي تفضي بها الي طرقات مغلقة.. كل الابواب تفضي الي ابواب اخري.. كل الابواب تفضي الي طرقات مغلقة.. . وفي قصة اماكن يبدو لنا العالم اشبه بحالة كلوستروفوبيا او رهاب الأماكن المغلقة بينما الانسان يسعي الي التفلت والانطلاق فكأنه يهرب من قبره وهو هنا ممثل بشقة حديثة لكن هذا القبر حتمي وهو دائما البيت الاخير . يقول عندما دخلت الشقة الصغيرة التي سوف تكون بيتي الجديد شعرت بغربة عميقة ثم حزن ثم رغبة في البكاء او الهرب. عمارة زجاجية اغلب شققها مكتب تجارية تفوح منها رائحة الارقام والحسابات. الناس هنا وجوههم رسمية ولا يحدث بعضهم بعضا.. . في قصة اذعان صغير غرابة وسخرية وما يستحضر بعض اجواء محاكمة كافكا كما اعاد اخراج وجه منها رشيد الضعيف في ناحية البراءة وكذلك ما يستحضر اجواء من زكريا تامر. تبدأ القصة كما يلي نهضت في التاسعة صباحا.. ذهبت الي دورة المياه.. اغتسلت وعدت الي فراشي.. كنت علي وشك الدخول في اللحاف الدافيء حين رأيت يدا بجانبي تمتد نحوي وهي تحمل ورقة بيضاء.. . وقرأ الورقة فاذا فيها دعوة للحضور امام مدير مكتب الحقوق المدنية للرد علي تهمة اقتناء حمام ولاتلبث التهمة ان تتحول الي وضع ساخر شبه كابوسي. يقول دخلت المبني بنشوة غريبة رسمية وجادة فبقدر ما اكره مثل تلك الاماكن تجدني مذعنا ومنتشيا بشكل مضحك... ربما لاحساسي بان علي ان لا اذعن لهم بشكل جاد.. . جورج جحا /رويترز / بيروت