(القراءة الثّانية لملحة عظيمةٍ ) لمْ ولن يكتب التّاريخ عن شجاعةٍ وإقدام عن بطولةٍ ، ونبلٍ كما كُتب عن عن الفارس العربي ، الذي أهواه القتال والجهاد في سبيلِ الله، الفارس الشاب الذي بثّ الخوف في قلوب أعدائه ، أذلهم بإنتصاراته ، فاتح السّند ومخلصها من الوثنية والجهل (محمد بن القاسم الثّقفي) لن يكتب أبداً إن القدر شاء لهُ أن ينسجَ من حيَاة هذا البطلِ قصّةً رائعة المهابةِ والجلالِ ،حافلةً بالمغامرات والإنتصار والحب ، والمجدِ والنهاية الحزينَة . قصة إنسان رفض أن يعيش حياة الآخرين مهما يكن فيها من رفاهة ونعيم .
حينما انتقل القائد الشجاع في صغره من الطّائف للعراق تحديداً البصرة ، حيث تولى والده خلافة شئون هذه المدينة العريقة ، ونمى في فؤاد الصغير المعارك والجهاد تنبأ الجميع بأنه سيكون (فخر بني ثقيف )فاشترك في الجهاد من صغره بعد إلحاحه على الحجاج ، ومن هنا بدأت فتوحاته ، ففتح مدينة الديبل ثم باقي مدن السند ، بحنكته العسكرية ، وذكاء تخطيطه ، حتى وقع يوماً في حب ابنه الملك ، (سِيتا )الذي قتله في المعركة ، فأبى أن يقع في شباك الحب ، ففضل العقل على القلب ، ورفض أن ينصاع لمشاعر عبثية تعرقل فتوحاته وإنتصاراته . ففتح السند كلها ، وبنى ٢٠ مسجداً ، لتحفيظ القرآن ونشر مباديء الدين ، وبث حب الإسلام في قلوب من عبدوا الأوثان سنين طوال ، فوجدوا فيه العدل والتواضع ، أحبوه و وجدوا فيه خير من فتح الأرض . حتى دبر له أعداءه المكائد والفتن ، رموا به تهمة دنيئة ،ولكن هيهات أن يكسروا روح البطل الشّجاع ، عاش في زنزانة مظلمة و وقع البؤس في أهل السند ، يدندن في وقع ظلام بأبيات يقول : فلئن تويث بواسطٍ وبأرضها رهنَ الحديد مكبلاً مغلولا فلربّ فتيّة فارس قد رعتهم ولربّ قرنٍ قد تركت قتيلا جر لإعدامه باسماً ، ناظراً لأعداءه الذين تربصوا قائلاً : "رويدكم أيها الشّامتون ...إنّ هذه الميتة لا يلقاها إلا الشّرفاء ، إن كل قطرةٍ من دمائي ستكون لؤلؤة نادرة في جيد التاريخ ، انظروا إلى ماضيّ القريب تجده مرصعاً بالفتوحاتِ ، سلوا كلّ شبرٍ من أرض السند من طهرها من الوثنية ؟ من أزال عنها ظلام الجهل ؟ من وصلها بنور الله ، بل سلوا أنفسكم أين كنتم ونحن نخوض غمرات الحرب ؟ إنكم تحضرون ميتة شاب عزف عن وقع الحياة ووهب كل ذرة في كيانه لله ورسوله ، تقدم أيها السياف وألحقني بالبررة الأطهار ." رحم الله البطل المقدام ولتحيا أمةٌ الإسلام .