Fahad's Reviews > الديكاميرون

الديكاميرون by Giovanni Boccaccio
Rate this book
Clear rating

by
5008212
's review
Dec 06, 11

bookshelves: fiction
Read from October 16 to 30, 2011

الديكاميرون

القرن الرابع عشر، مدينة فلورنس، مدينة الورود كما يوحي اسمها، والأهم مدينة الفن والأدب في إيطاليا، مدينة دانتي وبترارك وجيوفاني بوكاشيو صاحب هذا الكتاب (الديكاميرون) أي (الأيام العشرة) باليونانية، وهي أيام عشرة بالفعل، وبمثابة فصول عشرة للكتاب، الذي يتكئ على الوباء الذي اجتاح فلورنس سنة 1348 م، وقضى على الآلاف من ناسها.

في تلكم الظروف المحزنة، يتخيل بوكاشيو شبابا ً عشرة، ثلاثة رجال، وسبع نساء، يتركون المدينة الموبوءة ويلجئون إلى بستان خارجها، حيث يقررون البقاء هناك، بعيدا ً عن مشاهد الموت ورائحة الموتى، يقضي العشرة أياما ً عشرة معا ً، يستمتعون بالمكان، وبالشباب، والأهم بمتعة القص، حيث يتفقون منذ اليوم الأول على أن يروي كلا ً منهم قصة واحدة في كل يوم، في موضوع يحدده من ينصب ملك أو ملكة اليوم، وهذا يعطينا مائة قصة شعبية إيطالية، جمعها بوكاشيو وضمنها في كتابه هذا، وكعادة القصص الشعبي تتناول أغلب هذه القصص الحيل التي يمارسها الرجل أو تمارسها المرأة للإيقاع بالآخر، والقصص الشعبية قصص علاقات، حيث تنسج وتروى لتبرز العلاقات داخل المجتمع، وأحوال الناس، وما يجري لهم، نادرا ً ما تنشغل القصص الشعبية بفكرة أو بفرد، لم يظهر هذا إلا في القصص الحديثة، عندما شعر الكاتب بفرديته، فعبر عنها عن طريق أبطاله.

حبكة الديكاميرون، وهذا العدد الكبير من القصص التي تضمها، يستدعي لذاكرتنا مباشرة، ألف ليلة وليلة، كنص عربي استخدم قصة كبيرة، تنثال منها مئات القصص الصغيرة، حيث كانت شهرزاد تدفع السيف عن عنقها عن طريق القص، عن طريق استثارة فضول زوجها السلطان لمعرفة ما الذي سيحدث؟، هذه الشهوة، شهوة القص، وهذا الفضول، فضول أن نعرف ما الذي سيحدث للأبطال الذين تعلقنا بهم، هما المحرك وراء كل هذه الروايات والقصص التي نراها مرصوصة في المكتبات، وكلما نجح الكاتب في إثارة فضولنا، ونقلنا إلى عوالم غريبة ومذهلة، كلما شغفنا بالقصة، وتعلقنا بها أكثر، هذا ما خلق الروايات المسلسلة، هذا ما عقد الحبكات، هذا ما جعل الخيال الإنساني يندفع بحثا ً عن فكرة جديدة، أسلوب جديد، كل هذا لإرواء الشهوة والفضول، وسيف شهريار بالمناسبة لازال مصلتا ً، ولكنه لم يعد سيفا ً واحدا ً، وإنما انقلب إلى سيوف كثيرة، كل قارئ يحمل سيفه، إما أن يرفعه عن الكاتب، ويسعى للحصول على المزيد من كتبه، وإما أن ينزله فيقطع ما بينهما.

أبطال بوكاشيو العشرة، فروا من الموت، لا سيف على رؤوسهم، ولكن الموت ليس سيفا ً فقط، الموت رائحة غامضة تملأ الجو، برودة تخترق الجسد، وتسلم الإنسان إلى اليأس، تخيل أنك في مدينة هائلة، مدينة مذهلة، أنجبت عباقرة، مدينة يمكنك أن تجول فيها، فترى في كل زاوية، وفي كل درب من دروبها، آثار من سبقوك من أبنائها، مدينة تعيش فيها، وتعيش فيك، ولكن الموت يفاجئك، لا... ليس موتا ً واحدا ً، وإنما موتا ً يأتي جملة، كل من تعرفهم يموتون، يتساقطون كأوراق الخريف، الأكثر إيلاما ً أنك لا تستطيع حتى الاقتراب منهم، لا تستطيع مشاركتهم لحظاتهم الأخيرة، لطالما تساءلت ما الذي يجعل الإنسان يكافح ليبقى في وجه هذه الجوائح؟ ما الذي يجعل الإنسان يشاهد مدينته تدمر، يشاهد أهلها يتحولون إلى توابيت مسمرة، ويعيش بعد هذا؟ يعيش الحياة بكل تفاهاتها وهمومها الصغيرة؟ ألا يفترض بهم كبير كهذا؟ أن يلغي كل شيء؟ يوقف الإنسان أمام لحظة وجودية خالدة؟ لحظة يتساءل ما الذي بقي لأعيش له؟ من أنا الآن؟ أفكر هكذا، عندما أشاهد المدن المدمرة، بالاحتلال، بالكوارث الطبيعية، آلاف الناس ماتت، ولكن السؤال الكبير، الآلاف الذين بقوا، كيف تجاوزوا أحزانهم؟ كيف يخرج أحدهم من تحت السقف الذي خر عليه بلا انتظار.

نعرف كيف فعل بوكاشيو هذا، بالقص، العشرة الذين فروا من فلورنس، كانوا واحدا ً في الحقيقة، رجل قرر أن فلورنس لا يجب أن تموت، فلذا بعث قصصها، وظرافة أهلها ومغامراتهم، سنلاحظ هذا في الأيام الأخيرة من الكتاب، عندما تتركز القصص على الفلورنسيين.

عالج بوكاشيو نفسه - كأي أديب - بالكتابة، الكتابة التي تخلق لنا عالما ً آخر، عالما ً جميلا ً، شبان وشابات، يجمعهم الشباب والجمال، يتجولون في حدائق خلابة، يغنون كأنما لا مدينة تموت على بعد كيلومترات قليلة منهم، يقدم لهم خدمهم ألذ المأكولات في كل يوم، ويسلون أنفسهم بالألعاب وبالقصص، نقلة زمنية مذهلة، ليس للكارثة أي صدى، كأنما هي حدث معزول، يحدث في أقاصي الأرض، استخدمت فقط لتوفر لهم هذا الملجأ الفردوسي، ولكن لمَ على الواقع الثقيل أن يمد ظلاله إلى هذه العوالم، ألم تصنع للفرار منه؟

القصص كما قلت من قبل، قصص علاقات غرامية في أغلبها، وسنلاحظ أن الأبطال يحاولون الاحتشام، وعدم إيراد تفاصيل فاضحة، وهو أمر لا ينجح دائما ً، كما سنلاحظ الصورة البشعة لرجل الدين المسيحي في تلكم القصص، حيث يبدو وكأنه لا يتورع عن أي شيء، وهذا كان قبل مارتن لوثر وثورته على الكنيسة بمائة وخمسين عاما ً تقريبا ً، حيث يبدو أن الأحوال ساءت تماما ً.

الاختلاف الأساسي الذي سنلاحظه، والذي يفصل أيام بوكاشيو العشرة عن الليالي العربية هو في غياب الفنتازيا، القصص واقعية أو شبه واقعية، لا جن فيها، ولا عفاريت، ولا أي نوع من أنواع الخيالات التي نعرفها في ألف ليلة وليلة، ربما الاستثناء كان إحدى القصص التي ظهرت فيها أشباح، الأمر الآخر هو التشابه الذي سنلاحظه بين بعض قصص الديكاميرون وقصص أخرى قرأنا النسخة العربية منها، مثل هذه القصص أتمنى أن أعرف كيف انتقلت إلينا؟ ما هي الطريق الطويلة التي عبرتها لتتحول من لغتها وثوبها الغربي لتصبح عربية، أم أن الطريق كانت عكسية؟ لا أدري ولكني سأقدم أحدها كمثال.

ففي اليوم الثالث تروي القصة الثانية الحيلة التي لجأ لها سائس عند ملك من الملوك، عندما اكتشف هذا الملك أنه عبث بزوجته مستغلا ً الظلام، عندها بدأ الملك يطوف على خدمه، ويتلمس قلوبهم وهم نائمون ليعرف من يتظاهر منهم بالنوم، عن طريق سرعة دقات قلبه، وعندما وصل إلى الآثم المرعوب، وحتى لا يثير فضيحة، جز شعره بحيث يعرفه في الصباح ويعاقبه، ولكن الخادم نهض حالما غادر الملك وقام بجز شعور الخدم كلهم بذات الطريقة، بحيث وجد الملك في الصباح أنه أمام أحد خيارين إما فضيحة، أو السكوت وتجاوز ما حدث.

الشكل العربي للقصة قرأته في إحدى أساطير عبدالكريم الجهيمان الشعبية – والذي توفي قبل أيام رحمة الله عليه -، ولكن القصة العربية كانت أفضل بكثير، كانت أطول، والبطل فيها أكثر خبثا ً، حيث قام في البداية بقتل ثور السلطان الذي كان يعيث في المدينة فسادا ً من دون أن يتصدى له أحد، وأخذ لحمه إلى منزله، السلطان الذي اعتبر هذا الفعل تحدي لسلطته، فكر كيف يعرف هوية هذا المجترئ عليه، فكان أن قام كنوع من الحيلة برمي نقود ذهبية في السوق، وقد قدر أن من سيجرؤ على أخذها أمام أعين المحتسبين هو ذاته من تجرأ وقتل ثوره، ولكن الرجل استطاع أخذ النقود بحيلة، حيث وضع في باطن نعليه دبسا ً، جعل النقود تلتصق بهما، عندها أرسل عجوزا ً – والعجائز كن حسب الأساطير الشعبية مباحث ذلكم العصر – جعلت تدور على البيوت تتظاهر بالشحاذة، ولكنها كانت تفتش عن بقايا الثور، وعندما وجدتها، احتال عليها الرجل وأدخلها منزله وأحرقها في تنور بيته، عندها جن السلطان، فاقترحت عليه ابنته أن تحاول هي كشف الرجل بنفسها، من سيجترأ على ابنة السلطان غير هذا الرجل الغامض، وبالفعل خرجت بزينتها إلى السوق، فغازلها الرجل فكانت علامتها التي ستعلمه بها، هي أن أهدت له عطرا ً، دهن به رأسه ولحيته، فتساقط شعره، عرف الرجل أن أول ما يفعله السلطان في الصباح هو البحث عن الرجل الذي فقد لحيته وشعره، فلذا هرع إلى الجامع وصب في ميضأته العطر، وعندما توضأ المؤمنون في الصباح، سقطت شعورهم ولحاهم، عندها أعلن السلطان الأمان للرجل، ووعد بأن يقربه، على أن يأتي إليه ويقدم نفسه، فجاء الرجل، واستخدم ذكائه وحيله ليقبض على ملك عدو للسلطان، كانت هذه الحكاية العربية التي أورقت من تلكم القصة الإيطالية الصغيرة، أليست النسخة العربية أفضل؟


10 likes · Likeflag

Sign into Goodreads to see if any of your friends have read الديكاميرون.
Sign In »

Reading Progress

10/23/2011 page 400
57.0%

Comments (showing 1-4 of 4) (4 new)

dateDown arrow    newest »

huda النسخة العربية أفضل بكثير


Fahad أكثر خبثاً :)


huda Fahad wrote: "أكثر خبثاً :)"
:))


Sarah الف ليلة و ليلة لا تضاهي .. مهما مر الزمن


back to top