أحمد الفخراني's Blog: تياترو

November 30, 2011

اشترى نصف كيلو جوافة،ثم عبر الطريق إلى غرفته،استيقظ،نام،استيقظ،نام.لا توجد عبارة مؤثرة بين قوسى الاستيقاظ،والنوم.حتى اكتشف بعد شهر كامل،انه نسى أن يأكل الجوافة.
حياته يجب أن تتغير؟ قال لنفسه.
استيقظ،نام،استيقظ،نام،ولم تتغير حياته،ولم يأكل الجوافة.
ركب الميكروباص،نبتت الفكرة فى رأسه نبتا شيطانيا،لا بذور،لا رى،لا أى ادعاء بان افادة ما قد تحصل من وراء الفكرة،ثم زعق فى الركاب"أنا أهبل واحد فى الميكروباص".
لم يندهش الجمع،بل على العكس،فرمل السائق،صفق الركاب،وهنأوه على شجاعته،وأعاد له السائق،أجرته،بعد أن قبله من فمه.
ابتسم،حصل على الكرسى المحجوز،لأهبل واحد فى الميكروباص،وهو مقعد المنتصف فى الصف الأخير.
قبل حتى أن يكرر الأمر،فى ميكروباص آخر،كان الخبر قد انتشر فى الصحف والفضائيات،"العثور على أهبل واحد فى الميكروباص"،ولم يعرف أحد متى أو كيف انتشر ذلك المقطع على اليوتيوب وهو يدلى باعترافه مسجلا مليون مشاهدة فى أقل من ساعة.
فى ميكروباص العودة إلى قوس النوم،لم يحتاج إلى الاعتراف،اتجه مباشرة إلى مقعد أهبل واحد فى الميكروباص،منعه الركاب "ليس قبل أن نلتقط الصور معك"،خرجت الموبايلات،ليبدا البلوتوث(اله الوصل عند المصريين) فى نقل الصور،من موبيل إلى آخر،ثم إلى البروفايلات على الفيس بوك(اله النار) فى ملحمة لم تنتهى قبل عام،بينما تصدر قائمة زيوس(جوجل) فى البحث.
استيقظ،نام،استيقظ،نام،وبين القوسين انقلبت حياته رأسا على عقب،كان الكل يحافظ عليه كأيقونة من زجاج،لا يجب أن تتحطم،اصبح نجما،استضافته برامج التوك شو،ترقى فى العمل،علقت ملصقات بصورته فى الميادين،وتطورت صفحة الفان التى انشأها معجبوه،من "محبى أهبل واحد فى الميكروباص" إلى "عشاق أهبل واحد ميكروباص"،تعاقد على حملة اعلانية ضخمة لشركة كوكاكولا التى نجحت فى احتكاره،ولم ينس أكل الجوافة.

لم يكن مطلوبا منه الكثير،سوى أن يواصل اعترافه ويواصل ركوب الميكروباص،على نفس المقعد،كرمز.
الأمر بدأ منذ عامين،قبل اعترافه.
اشاعة صغيرة،انتشرت،أن حوادث الميكروباصات،وراءها ركوب رجل أهبل،يرتكب تصرفات حمقاء،ويقول آراء مناقضة لركاب الميكروباص،مع الوقت اتخذت الإشاعة قوة،(اقول اشاعة وفقا للرأى الرسمى تحريا للصدق،فانا كاتب ولا أحب أن أكون أهبل واحد فى الميكروباص)،وتحددت لهذا الرجل ملامح،كأن يطلب اغلاق كاسيت لمطرب شعبى أو داعية سلفى أو يطلب من السائق رفع الصوت،أن يحاول اشعال سيجارة أو يسب طلبا لاطفاءها،أن يشعل الفتنة بين الركاب للشجار مع السائق على أى سبب تافه أو ينافق السائق للشجار مع الركاب،أويتدخل فى النقاشات بشكل حاد أو يطلب من الجميع الصمت للحصول على ستر الطريق،أو يجادل على الأجرة فى حال ركوبه لمسافة قصيرة تتحدى الأجرة الموحدة أو يدفع الفارق من جيبه..علامات كتلك وأخرى لا مجال لذكرها،حتى تحول الأمر إلى هوس،وفأل سىء مرتبط لدى السائقين والركاب بما يمكن أن يسمى طقوس الطريق.
عندما بدأت الحقيقة اتخاذ هيئة الإشاعة،والإشاعة هيئة الحقيقة،كان الركاب بمعاونة السائق يلتقطون الرجل الأهبل ويلقونه خارج الميكروباص،ثم حدثت جرائم قتل،اعتدى فى بعضها الركاب على الرجل الأهبل،وأخرى قتل فيها الأهبل المكتشف أحد الركاب لرفضه النزول من الميكروباص.
رجل دين أفتى بان مقارنة ما يحدث بالسفينة التى القى منها سيدنا يونس حرام شرعا،فيما خرج التليفزيون الرسمى،بحملة مفادها ان المصريون شعب متسامح،وان نفى الأهبل،ليس من شيمهم،وان وراء تلك العادة،قلة لا تمثل الشعب المصرى،وانتشرت الاعلانات والأغنيات فى تمجيد الوطن العظيم،تحت شعار"مين فينا مش أهبل".

مع الوقت،صار الناس يخشون وصمة أن يكون أحدهم الأهبل فى الميكروباص،صاروا أكثر حرصا،ليس بنفى الهبل عنهم،ولكن بالتواطوء على ممارسة هبل جماعى ،يجنبهم التوقف بالميكروباص،والقاء المختار.
لكن،الأمر تطور –رغما عن الجميع-فانتشار الهبل،جعلهم يركزون على الأكثر هبلا،كان الركاب يتربصون ببعضهم البعض،يتحسسون كل نظرة أو كلمة شاردة،بل يدبرون الخطط لاصطياد أهبل واحد في الميكروباص،خاصة مع ازدياد حوادث الميكروباصات.
ظهرت جماعة أكثر تطرفا،نادت باخصاء أهبل رجل فى الميكروباص،وحرق بيضانه كقربان.
لم يعرف أحد من أين أتت تلك الجماعة،قيل فى البداية،انها جماعة سلفية،ثم عادت الصحف ونفت،ثم قيل انها من عبدة الشيطان،ثم عادت الصحف ونفت.
حتى كشف صحفى نابه،انها تتبع ديانة سرية،كانت تنتظر ظهور أهبل رجل فى الميكروباص،جماعة تدعى "الإيالة" مقرها الرئيسى فى كاليفورنيا،تؤمن انها من نسل بيضة الرخ التى انفقس منها العالم،وقال أحد كهنتهم:أن طوفان كبير،سيدلقه الرخ من جردل فى السماء،ليمحو الميكروباصات،وانه غاضب،وان الحل فى تقديم بيضان كل أهبل مكتشف ليأكله،فهو يحب المخاصى مشوية.
لم يعلن أحد ايمانه بالديانة،خوفا من التكفير،لكن عدد كبير من الناس،بدأ فى تطبيق الفعل،خوفا من الغضب المكتوم للرخ،أو أى ما كانت هوية الغاضب.
فبدأت جماعات سرية فى التكون،فيما يشبه ألتراس الأهلى والزمالك،لحماية الوطن من الطوفان(لم يهتما بقصة العالم هذه)لايقاف الميكروباص،وحرق بيضان الشخص الأهبل،بعض الجماعات فسرت وفقا لرغبتها أن حرق البيضتين ليس كافيا،وقامت بحرق الشخص نفسه.
مع الوقت،صارت تلك الجماعات مسلحة،وهو ما اضطر الحكومة إلى التفاوض معها،بعد حرب عصابات،سقط فيها عشرات القتلى من الجانبين والآلاف من المتفرجين،وانتهى الأمر بحصول تلك الجماعات على عشرين فى المائة من مقاعد البرلمان وتأسيس حزب سمى "ائتلاف الحب والخبز"،مقابل وقف العنف،بعد ضغط الاعلام الرسمى،وتشويه صورتهم بانهم هم أهبل ناس فى الميكروباص،لذا يتهمون الآخرين،فقبلوا بالعرض لأن لا أحد يريد أن يكون أهبل واحد فى الميكروباص،واعلنوا فى بيانهم الأول،أنهم راجعوا الأمر،وان هناك شخصا واحد لم يكتشف بعد،هو أهبل واحد فى الميكروباص.
سبب ذلك البيان،بلبلة أكبر،تقدم عدد كبير ببلاغات للنائب العام،كلها تؤكد معرفتها بأهبل واحد فى الميكروباص،اتضح انها بلاغات كيدية،فى الجيران،أو فى المديرين فى العمل أو زملاء العمل،البعض اضطر لتقديم اقرارات مكتوبة،انه لا يركب الميكروباص أصلا،تشكلت لجنة تقصى حقائق للعثور على أهبل واحد فى الميكروباص.
صار الجميع مدانا،ثم عم الصمت أكثر من أسبوع لم يعد أحد يتكلم أو يتحرك فى الميكروباص،خوفا من الاتهام بانه أهبل واحد فى الميكروباص،خفت موجة الحوادث قليلا،ثم خرج كتاب نفذت أول عشر طبعات له قبل أسبوع من صدوره،بعنوان"عشر طرق لا تصبح بها أهبل رجل فى الميكروباص"،ثم رأت الحكومة وحزب "الحب والخبز"أن من المناسب اضافة فصول أخرى للكتاب،وبعد مفاوضات مرنة مع المؤلف ودار النشر،أملى المؤلف تعاليم دقيقة وتفصيلية لطريقة التصرف،فى كل شىء،بدءا من الحديث وانتهاء بالنكاح.
نجح الكتاب،نجاحا باهرا،وتقرر فرضه على المناهج الدراسية.
اتبع الكل طريقة واحدة وفقا للكتاب،لكن الحوادث عادت بقسوة،مائة ميكروباص دفعة واحدة،أكلهم الطريق..مما فسره الناس بهمس"هل الرخ غاضب؟"..وكتب الناشطون على تويتر(اله النيك/النكح/الفشخ عند المناضلين القدماء):"الرخ يضرب من جديد".
لكن الهمس،صار ضجيجا،ثم سرت إشاعة جديدة،مفادها ضرورة اعادة اكتشاف الأهبل،ولأن الحيل القديمة لاكتشافه،قد استنفذت،قرر الناس دون اتفاق،أن أكثر الأشخاص هبلا فى الميكروباص،هو الذى يرتضى بالجلوس،فى الكرسى،الذى ينتصف الصف الأخير بالميكروباص،مساحة لا تجعله حرا،ومقيدا،لا يستطيع النوم إذا ما فاجئه،الا على كتف راكب آخر،لا يستطيع الحركة،دون أن يخبط فى راكبين،كما انه إذا قرر النزول،فانه يضطر ثلاثة ركاب على الأقل،للنزول.
ربما تكلم البعض ان الجالس على الكرسى المتحرك بجوار الباب،هو الأكثر هبلا،لكن النسخة الستون من كتاب"عشر طرق لا تصبح بها أهبل رجل فى الميكروباص"والذى أصبح بمثابة دستور غير معلن للبلاد،حسمت الأمر،باضافة فقرة تحدد المقعد الذى ينتصف الصف الأخير مكانا لأهبل رجل فى الميكروباص،ربما اعتبر البعض ذلك تحريضا،ربما استنكر أحدهم:ايه الهبل ده !!.
لم يقرب أحد ذلك المقعد،اعتبروه رمزا،وتجسيدا للأهبل المنتظر،


ربما حاول البعض أن لا يركب الميكروباص أصلا،لكن عبارة"أهبل واحد فى الميكروباص"صارت نظرية تطبق فى المترو والأتوبيس والمكاتب والعمارات والشوراع وأقرها الهى النار والنيك.
الجنون،الهوس،وشبح الحرب الأهلية خيموا على البلد،كمغتصب جاثم فوق جسد فتاة عذراء،لا هى تفلفص ولا هى تملك حق التلذذ،حتى ظهر حسن،الذى أعاد البهجة وحقق الخلاص للبلاد،باعلانه انه "أهبل واحد فى الميكروباص"،لقد أراح الجميع،من التهديد المستمر باحتمالية أن يكون أى شخص هو أهبل واحد فى الميكروباص حتى يثبت العكس.
لذا لم يحاول أحد ايذائه،أو حرق خصيتيه،أو حتى السخرية منه،بل أن أحد رجال الأعمال أمن على حياته،كان عليه،أن يظل أهبل رجل فى الميكروباص،حتى لا يكون آخر.
بالطبع،حسن لا يركب كل الميكروباصات،لكن الناس سمت الكرسى الذى ينتصف الصف الأخير،كرسى أبو على،وظل الكرسى فارغا،ليذكرهم بالأمان"لا أحد منا كذلك".
قضى ظهور حسن،على أهمية الكتاب الكبير،الذى بدأ ككتيب وانتهى كمجلد من عشر أجزاء" عشر طرق لا تصبح بها أهبل رجل فى الميكروباص"فالناس مع الوقت عادت للتعامل بحرية،دون خوف من الادانة،بل ان احدهم رقص عاريا على كورنيش النيل،دون خوف.
اللطيف،أن الرخ كف عن الغضب،وعادت حوادث الميكروباصات لمعدلها الطبيعى.
ساقية الصاوى،أعلنت فى حفل تكريم خاص للشجاع،"أهبل واحد فى الميكروباص" على انغام الأغانى الوطنية بالطبع،عن جائزة سنوية،باسم أبو على،تمنح للشرفاء فى هذا الوطن.
أجاب حسن على أسئلة الحضور،بخفة دم ملحوظة،كان جوا دمثا،لكن سؤال من فتاة نصف محجبة،كهرب الدنيا تماما"ما الذى يثبت أنك أهبل واحد فى الميكروباص"؟ رغم ان السؤال بدا بديهيا،الا انه قوبل بعاصفة من الاستهجان،والصفير والسباب،وقال لها مقدم الحفل"أنت نصف محجبة ولا تعرفين شيئا عن الدين؟،ثم غلوشت فقرة غنائية،لفرقة "الحب قبل الخبز أحيانا"،على صراخ الفتاة وهى تسحل خارج القاعة.
لكن فى اليوم التالى،أدلى أكثر من شخص فى أماكن متفرقة من الوطن للفضائيات،بانه اهبل واحد فى الميكروباص"،وانضم لصفحة "الحقيقة وراء المدعى أهبل واحد فى الميكروباص" على الفيس بوك 50ألف مشترك فى اليوم الأول،وتبين أن الفتاة نصف المحجبة،هى أدمن الجروب الذى تحول إلى حملة لفضح حقيقة حسن.
وقالت الفتاة فى انفو الجروب:ان حقيقته كلا شىء بين قوسين،لا تثبت احقيته فى لقب أهبل واحد فى الميكروباص،فيما أذاعت قناة الحياة عدة حوارات مع سبعة أشخاص،يقولون انهم أهبل واحد فى الميكروباص،وان البعض لديه مستندات تثبت،أن حسن شخص عاقل وموزون،بل ربما يكون الشخص الأعقل على الاطلاق.
روج البعض،ان حسن مجرد لعبة فى يد الحكومة،بينما قال "بعض آخرين":انه وسيلة حزب "الحب والخبز" لاستلاب الحكم،فيما خرجت نظرية ثالثة تفرق دمها بين "بعوض كثيرة"،مفادها أن ما حدث مع أبو على فى ليلة ساقية الصاوى،هى خطة مدبرة شاركت فيها الحكومة وحزب "الحب والخبز" لتشويه صورته،لاعادة الهيبة لدستور البلاد غير المعلن" عشر طرق لا تصبح بها أهبل رجل فى الميكروباص" الذى حقق الاستقرار للوطن،باتباع الجميع لتعاليمه،مع الوقت نسبت النظرية إلى الحكومة تسببها فى حوادث الميكروباصات من البداية،واشاعة أن راكب أهبل دائما وراء موت باقى الركاب.
لكن،حسن الذى تحولت حياته،إلى مسافة عامرة بين قوسين،كان على استعداد للقتال،للذبح "حرفيا" لو استلزم الأمر،لاثبات انه أهبل واحد فى الميكروباص(وفقا لمحضر النيابة الرسمى).
فذات صباح،وجدت رأس الفتاة المحجبة،مفصولة عن جسدها،واثبت الطب الشرعى،انها اغتصبت بعد الذبح لا قبله،بينما كتبت تلك العبارة على فخذها"الأول"،تيمنا بفيلم أمير الانتقام.
حسن،اختفى.
تحدثت والدته واقاربه،عن طيبته البالغة،وانه كان مسالما وهشا وضعيفا،وانه ضحية مجتمع،فيما تحدث آخرون عن فوبيا الشهرة،فيما أدليت بشهادات تثبت أنه جاسوس ينفذ أجندة خارجية.
لكن"حسن ضرب من جديد"،هكذا كتب الناشطون على جسد اله النيك،عندما قتل السبعة أشخاص،الذين قالوا انهم أهبل واحد فى الميكروباص،تلك المرة لم يستعير حسن"وفق المحضر الرسمى"قصة أمير الانتقام،بل رسم طائر الرخ،على جثث السبعة،طرق القتل كانت بشعة وانتقامية.
شخص ما مجهول الهوية قال:ان حسن قتل صبيحة يوم الساقية،وان جرائم القتل كانت لاخفاء تورط الحكومة وحزب"الحب والخبز"،فى الخطة المدبرة لتشويهه.
فيما،شكك البعض،فى القتل،قائلين انه اختطف،لكن "عشاق أهبل رجل فى الميكروباص"كتبوا على صفحتهم،أنه لم يقتل،ولم يختطف،بل صعد إلى الرخ،وانه سيعود يوما ليخلص العالم،أما كرسيه،فظل فارغا فى الميكروباص.
أحمد الفخرانى.
10/4/2011
0 comments
Twitter_icon  • 
Published on November 30, 2011 11:56 • 97 views

March 16, 2011

...
عندما مرت خمسة قطارات مترو دون أن تملك العزم على اللحاق بعربة السيدات..لم تلحظ شيئا مغايرا.
استسلمت للجلوس على مقعد انتظار تتأمل اللاشىء باسترخاء،ومشاعر حيادية.
نفس اليوم،نفس الأشخاص،نفس الحكاية..نفس السبب الذى جعل حياتها مزيجا من حيوية فى حركة الذراعين وتوزان محسوب فى حركة ساقيها:لديها ساق أطول من الأخرى ..ذلك ببساطة هو سر كل شىء.
كل ما تتذكره إنها كانت تجرى بسرعة للحاق بشىء هام خرق قاعدتها الخاصة بشأن توازن حركة الساقين..لكن عندما وصلت إلى المحطة،أظلم ذلك الشغف الذى حركها،انتحر كلمبة غرفة نومها التى لا تواصل الحياة أكثر من ثلاث أيام،لم غرفة نومها تحديدا؟..لا تعرف..لا تذكر الشىء الهام..هل كان موعدا غراميا؟..مقابلة عمل؟..فرصة سفر؟..طبيب؟.
لا تتذكر..ناس ترحل وتجىء دون أن يلاحظ أحد بقاؤها دون أن تركب عربة..أخرجت ساندوتش وبدأت فى قضمه بنهم .
مجرد فارق ضئيل فى الطول بين الساقين ، اضاع من سمية سبعة وعشرين عاما من حياتها فى محاولات مضنية لاخفاؤه، تعلم انها على استعداد لإضاعة سبعة وعشرين عاما أخرى كى لا يلحظه أحد.
تحمل سمية ذلك الفارق كل شىء،أنوثتها المجروحة،تأخرها فى الزواج،قدرتها على كسب مدير العمل العجوز بلفتات بسيطة تشبع مراهقته المتأخرة،انتحار لمبات غرفة نومها،اكتساب اصدقاء بسهولة تدخين سيجارة وفقدهم ببساطة نسيان قهوتها على النار.
أم وطفلها،جلسوا بجوارها،داعبت الطفل فى روتينية عهدتها بنفسها كلما رأت طفلا،كدليل على قوة أنوثتها،واستعدادها التام لأمومة مستقبلية.
لكنها فى واقع الأمر"تكره الأطفال" تداهمها كوابيس عن أكلها لهم ، تضيف اعمارهم إليها ،كل عمر بفرصة أخرى للتشكيل دون أن يختفى العرج،ولو مرة من أحلامها،كوابيس سعيدة..هذا ما لم تستطع اخفاؤه عن نفسها.
دون إشارة واحدة فوجئت بالأم،تلحق بمحطة المترو،تركت الطفل بجوار سمية التى لم تتحرك ولم تلحظ شيئا مغايرا.
واصلت مداعبته بروتينية،لكنه تحدث إليها بصوت خشن،ورجولى:نسيت الموعد.
الخوف؟..لا تعرف ..لا شىء مثير..ربتت على رأسه دون اكتراث،كانت فقط تواصل ما تعرفه عن الأطفال..تنهد الطفل فى خيبة أمل واضحة.

لم تمر دقائق حتى بدأ توافد أباء وأمهات، تركوا أطفالهم بجوارها،ثم أسرعوا للحاق بعربة المترو،لا لركوبه،بل الموت تحت قضبانه،لم تتوقف العربات عن الحضور والدهس،لم يصرخ أحد،.. وكذا سمية لم تلحظ شيئا مغايرا.
الطفل الأول بدا ككبير لباقى الأطفال،يسيطر عليهم بسحر ما..تعرفه سمية قطعا،تلك القوة العلوية غير المبررة،الاعتيادية والمنقوصة،أكملتها كثيرا بخيالها،خيالها قطعة البازل الناقصة التى تمنح تلك القوة وجودها،قوة تعطى مديرها العجوز حق التلصص،وتعطيها ألق التحايل الممتع.
ساعة تلو ساعة وسمية فى مكانها،وعربات المترو لا تتوانى عن التهام الجميع،تاركين أطفالهم بجوارها،من لم يملك طفلا،ترك شيئا يخصه:منديل،ساعة،محفظة.
سرعان ما تزاحم خلق كثيرون،على شبابيك التذاكر،لحجز تذاكر الذهاب تحت قضبان العربات،مات كثير منهم نتيجة التدافع،قبل عبور الحواجز الإلكترونية،اضطرت شرطة المترو لاحتجاز الكثير منهم،استدعوا قوات أكثر لمحاصرة مداخل المترو،بعد أن وصلت تلك الرغبة إلى سكان الحى،ثم تدفقت كموجات الدومينو،إلى أحياء أخرى.
استسلمت سمية للبقاء دون حركة،غفت،صحت لتجد سفنا تسير على قضبان المترو..وميكرفون يقلد صوت السفن،ومروحة ضخمة تضخ الهواء..وقطيع من الأطفال،يملأون المكان ويقلدون حركات الطفل الأول،انتبهت لعرجه.
سرعان ما عرفت إنها تحت قيادة الطفل الأعرج ،انهدمت الجدران ،خرجوا إلى الشوراع ،كان أحدهم يطبق الشوارع كعلب بيبسى فارغة ويقذفها فى صناديق قمامة،كان قطيع الأطفال يعرجون مثلها،فيما يسيطر عليهم الطفل صاحب السحر.
لكن سمية لم تلحظ شيئا مغايرا،أخرجت كاميرا لتسجيل حمى الشوارع الفارغة.

الأطفال تفرقوا،كانوا يعرجون بحماس من يرغب فى اثبات شىء،أما سمية فخجلت من كل هذا العرج المحيط،رأته عارا يأكل الشوراع.
تشبثت بكل ما لديها من ايمان،كى تحافظ على مشيتها المحسوبة التى لا تفضح عرجها.
فى البيت،كان والدها يعلم أمها مشية تجعلها تبدو كعرجاء حقيقية.
فتحت التلفاز،لتجد الجميع يتحدث عن أهمية أن الوقت قد حان لنتحدث بصراحة عن العرج،دون محاولة لاخفاؤه.
فى اليوم التالى،كان الناس فى الطرقات يعرجون بابتسام،انتقل إلى مانشيتات الجرائد.
فى العمل،كان مديرها العجوز،محاصرا بالعرجى،ويصرخ:"أقسم بالله..أنا مثلكم كنت أخفى عرجى لأحيا".
عندما أدركت إن حياتها ضاعت لاخفاء عرج يتباهى به الجميع،نفذت كابوسها السعيد..بأكل أول طفل تقابله،امتصت روحه،وأضافت إلى عمرها،عمرا أعرج.
انضم إليها عدد كبير،وبدأوا فى أكل الأطفال العرجى..دون أن يلحظوا شيئا مغايرا.
أحمد الفخرانى
20/2/2011
1 comment
Twitter_icon  • 
Published on March 16, 2011 17:13 • 201 views